هذا ما يحدث داخل غرفة “الرعب”!
تثير عملية تشريح الجثث فضول الكثيرين، وتعتبر من الأمور الغامضة لدى العامة، عن كيفية كشف الطبيب الشرعي الأمر الذي أدى بوفاة شخص ما، وبالرغم من أنه علم قائم بذاته لدى المختصين، إلا أنه يطرح العديد من علامات الاستفهام وحب الاستطلاع لدى الناس، “الشروق” غاصت في هذا العالم الذي يثير مخاوف الكثيرين، وحضرت جلسة تشريح برفقة الطاقم الطبي بمصلحة الطب الشرعي بمستشفى مصطفى باشا الجامعي، وعادت بأسرار وتفاصيل تتعلق بكيفية اكتشاف جثث ضحايا القتل والاغتصاب والسم..
قبل أن ندخل قاعة التشريح تحدثنا إلى البروفيسور رشيد بلحاج رئيس مصلحة الطب الشرعي، الذي لخص لنا المراحل التي تمر بها عملية تشريح الجثة قبل الشروع في فتحها في قاعة التشريح، حيث قال إنهم يتلقون أمرا من وكيل الجمهورية، وهذا بعد أن يتسلم شهادة المعاينة من طبيب أرفقها بملاحظة أن الوفاة مشكوك فيها، مشيرا إلى أن التشريح نوعان، القضائي والذي يتم بأمر من وكيل الجمهورية في حالات الموت العنيف والاعتداءات، والتشريح العلمي وهو موجود في قانون الصحة، ويتم بطلب من عائلة الفقيد لمعرفة الأسباب الحقيقية للوفاة في حال شكهم، في الأمر مثل الأمهات اللواتي يفقدن أطفالهن مباشرة بعد الولادة، والتي تكون أسباب وفاتهم في غالب الأحيان نتيجة أمراض نادرة لديها علاقة مع الإنزيمات أو تشوهات أو أمراض وراثية.
وبعد تلقيهم للأمر، يتم التواصل مع العائلة فورا وإخضاعها لمقابلة مع الطبيب الشرعي، للإجابة عن مجموعة من الأسئلة، التي تختلف من حالة إلى أخرى، فأسئلة الوفاة بسبب العنف تختلف عن أسئلة موت الفجأة، إذ تتعلق الأولى بمعرفة إذا ما كان المعني على خلاف مع أحد ما وغيرها من الجوانب، فيما تشمل الثانية الحالة الصحية للفقيد قبل الوفاة، وإذا ما كان يعاني من أمراض أخرى وغيرها من الأسئلة.
وقال الدكتور بلحاج إن هذه الأسئلة تساعد كثيرا في عملية التشريح، لأن الطبيب يكون قد أخذ فكرة عن الجثة التي سيتم تشريحها، وبعد أن تجيب العائلة عن هذه الأسئلة، يقدم لها الطبيب شهادة التشريح لكي تقوم بإجراءات الدفن لدى مصالح البلدية، فيما يشرع الطاقم الطبي في عملية التشريح.
هكذا تتم عملية تشريح الجثة.. والعينة رضيعة
حاول الطاقم الطبي التخفيف قليلا من الرهبة التي شعرت بها بمجرد الوقوف أمام باب قاعة التشريح، قائلين إن الأمر لا يعدو سوى عملية تشبه العملية الجراحية، وإن الميت رضيعة لا يتعدى عمرها ستة أشهر، وبعدها ساعدوني على ارتداء اللباس الواقي، وهو عبارة عن قميص طويل وقناع وقفازات وقبعة، وكذا أغطية الأحذية، بينما كان كل الطاقم الطبي الذي يتكون من ثلاثة أطباء شرعيين وممرض وطبيبين مقيمين يقوم بعملية تعقيم لليدين وارتداء اللباس الواقي، فيما أخذت الجثة إلى مصلحة الأشعة الخاصة بالطب الشرعي.
وضعت الجثة فوق الطاولة الخاصة بالتشريح، وبدأ الطبيب بمعاينتها وتقليبها يمينا وشمالا، لاكتشاف ما إذا كانت هناك أثار خارجية، ثم قام بفتح البطن والصدر، حيث قال لنا إن العملية تنقسم إلى قسمين، يعد هذا القسم الأول قبل الانتقال إلى فتح الرأس، وشرع في فتح البطن والصدر ابتداء من الرقبة تحت الذقن مباشرة إلى غاية أسفل السرة، وظهرت كل الأعضاء التي راح الطبيب يقلبها هي الأخرى، فيما كان الطبيبان الآخران يسجلان كل التفاصيل، وفي نفس الوقت يدلون بشكوكهم حول أسباب الوفاة، وهنا توقف الطبيب عند الكبد الذي كان مشوها، ليقول إن الأمر يتعلق بمرض السرطان، وأخذ قطعة من الكبد ووضعها في حافظ خاص، قال لنا عندما توجهنا له بالسؤال إنه سيخضع للتحليل للتأكد من صحة فرضيتهم، وإنه بعد 15 يوما ستظهر النتيجة لتمنح لوكيل الجمهورية.
اعتقدت أن التشريح انتهى هنا، بما أنه تم اكتشاف سبب الوفاة بنسبة 99 بالمئة، إلا أن الطبيب الشرعي قال إنهم يجب أن يفتحوا الرأس أيضا، لأن هذه الإجراءات لابد منها عند تقديم شهادة التشريح لوكيل الجمهورية، فقام بفتح الرأس بشكل عرضي من الأذن اليمنى إلى الأذن اليسرى وفصلت الجمجمة، وقام الطبيب أيضا بمعاينتها.
وبعدها جاء دور الممرض الذي قام بخياطة البطن والصدر والرأس، لتأخذ الجثة إلى المغسلة الخاصة بالمصلحة، وإعادة تكفينها لتحضر العائلة لأخذها للدفن، وهنا قام العون بتعقيم جميع الأدوات والطاولة وتنظيف المكان، وقد استغرقت عملية التشريح حوالي ساعة ونصف، وهي المدة التي تستغرقها في غالب الأحيان، حسب تصريح الطبيب الشرعي.
هذا الشخص مات مخنوقا
شرحت لنا الدكتورة دلندة بن شريك طبيبة شرعية قرائن معرفة كيفية موت كل جثة يقومون بتشريحها، قائلة إنهم بحكم التجربة بعد الدراسة طبعا، أصبحوا يعرفون هذه القرائن، وبالرغم من أنني استغربت كيف أن تدخل امرأة هذا المجال، بما أن النساء يعرفن بحسهن المرهف، إلا أنها أقنعتني بقولها إن هذا المجال يعد إنسانيا بالدرجة الأولى، فمع تقديمهم الحقائق لوكيل الجمهورية هم يقومون بإراحة عائلة كاملة من شكوكها.
قالت محدثتنا إن الشخص الذي يموت مخنوقا بعدة طرق، إما علق بحبل أو خنق نفسه أو تم خنقه، وهنا تكون الآثار الخارجية في معظم الأحيان هي التي توضح أنه مات مخنوقا، حيث يجدون آثارا على مستوى الرقبة، ومع اختلاف شكل الأثر يكتشفون كيف تمت طريقة الخنق.
الغريق يمكن أن يكون مقتولا
أما من مات في حالة غرق، فيجدون رئتيه مليئتين بالمياه وكذلك أنفه، إلا أن من مات غريقا بمفرده نتيجة تشنجات أو غيرها، يعني لم يتعرض لاعتداء، تكون المياه في الرئتين كبيرة جدا، أما في حال ما إذا تعرض لاعتداء آو محاولة، قتل فإن الماء يكون أقل.
والكثير قد يتساءل عن جدوى تشريح جثة الغريق إذا كان السبب معروفا؟ ولهذا سرد لنا الأطباء قصة شاب في الثلاثينات، أحضروه إلى المستشفى على رواية أنه غريق، لكن المختصة في الطب الشرعي لم تهضم السبب على أنه طبيعي، وبعد قيامها بتشريحه اكتشفت أن الشاب قُتل وألقي به إلى البحر، لتتحول إلى جريمة مدبرة بعد أن كان الموت طبيعيا.
وأكدت أنه بحكم الممارسة، أصبحوا يعرفون هذه القرائن ويحفظونها عن ظهر قلب، لذا فهي لا تشكل أي صعوبة لديهم أثناء عملية تشريح الجثة.
تغيرات واضحة في الأعضاء وتحليل الدم لتأكيد الوفاة بالتسمم
قالت الدكتورة بن شريك إن التسمم أنواع، فهنالك من يتسمم بالغاز وآخر بالمخدرات، وبعضهم بتناول أدوية أو منظفات أو غيرها من المواد السامة.
ففي حالة التسمم بالغاز، يجدون أن الجثة تغير لونها وأصبح أحمرا قاتما، كما يتغير لون كل الأعضاء الداخلية.
أما من يشرب الأدوية فيجدونها في المعدة، وكذا من يتناول منظفات أو روح الملح يجدون المعدة محترقة.
وبعدها يأخذون عينات من الدم والبول لفحصها لدى مصالح الأمن الذين يعملون بالتنسيق معهم.
هكذا نعرف نوع الآلة الحادة التي قتل بها الشخص
في حالة القتل، كشفت محدثتنا أنه تظهر الآثار الخارجية كالدم وغيرها، فعندما يطعن شخص مثلا في القلب، تكون الآثار محيطة بهذا العضو، وللتعرف على نوع الآلة الحادة يكون حسب شكل الجرح، فمن طعن بسكين يكون الجرح على شكل زر ملابس، أما في حالة القضيب الحديدي مثلا فتكون الفتحة كبيرة وغليظة.
هذه قرائن الاعتداء الجنسي المتبوع بالقتل
في أغلب الأحيان التي تتعرض فيها الفتاة للاعتداء الجنسي يكون متبوعا بالقتل، وهذه الحالات تستقبلها المصلحة، وهي من الحالات التي يمكن التعرف على تعرضها للاعتداء الجنسي من خلال معاينة العضو التناسلي، حيث يلعب الطبيب الشرعي في هذه الحالة دور طبيب أمراض النساء والولادة، كما تظهر على الجثة أثار على مستوى الفم عند محاولة كتم المجرم لصوتها، وكذا على مستوى الذراعين والفخذين.
وأكد المختصون أنهم اكتشفوا الكثير من الجثث التي تعرضت للاغتصاب المتبوع بالقتل، حيث تعود الجثث في أغلب الأحيان إلى قاصرات تعرضن للاغتصاب من طرف مجرمين، أو حتى من الوسط العائلي، على غرار فتاة اغتصبت من طرف أبيها وأخيها وجيرانها، وبعدها تعرضت للقتل وتم كشف أمرها بعد تعريضها للتشريح.
ومن بين القصص التي سجلتها مصالح الطب الشرعي، قصة والد فتاة كان يقوم بالتعدي عليها مرار،ا وكلما دعته شهوته الحيوانية، لكن ابنته لم تستطع إخبار والدتها والإبلاغ عنه، فالوحش البشري هدد بقتل والدتها إن فعلت ذلك، واستمر الحال عند هذا الوضع إلى أن اكتشف الابن حقيقة والده…! أب يتجرد من ملابسه ويمارس الجنس مع فلذة كبده! لحظة تقشعر لها الأبدان وتحبس الأنفاس، وعوض أن يدافع الابن عن أخته ويحميها من جرم الاعتداء، قام هو الآخر بالاعتداء على أخته.. الابن والأب من طينة واحدة، والأكثر من ذلك مشاركة ابن عمها في الجريمة، وخوفا من انتشار الفضيحة تواطأوا في قتل الفتاة….
الأطباء اكتشفوا تعرض الفتاة للاغتصاب المستمر بعد تشريح الجثة، حيث ظهرت أعراض متعددة على مستوى الجهاز التناسلي والفخذين، وحتى الرقبة والصدر…
التمويه في القتل أكثر تحديات الطبيب الشرعي
يعتبر التمويه في القتل من أكبر التحديات التي تواجه الطبيب الشرعي، حيث يعمل الكثير من المجرمين على قتل ضحاياهم وإلقائهم في البحر أو في الطرقات، للتمويه بوفاتهم عن طريق حوادث غرق أو حوزادث مميتة، وفي هذا الإطار قام أحد الأطباء بفحص ضحية حادث مرور وشق رأسه بواسطة منشار العظم، ليكتشف أنه قُتل عن طريق ضرب جمجمته بأداة حديدية، وأن القاتل قام بتمويه جريمته لتبدو كحادث مرور، وهنا الطبيب كان أدهى من المجرم ليتمكن من حل شفرات لغز الجرم.
ويؤكد الأطباء أن كشفهم للحقائق يحقق في نفوسهم سعادة كبيرة، لأنهم بذلك يساعدون في تحقيق العدالة وكشف المجرمين وإراحة أهالي الضحايا. حيث التقرير الطبي على اكتشاف لغز الجريمة والكثير منها يتوقف على الخبرة الشرعية لاكتشاف الجاني الحقيقي وتبرئة المتهمين، لتعاد كفة الميزان، ولا يكون ذلك إلا بعد أن يتحرى الطبيب في جثة الميت، فيُعاين الأعضاء ويقوم بتحليلها وتشريحها بدقة وصبر ومهنية.
