هذا ما يريده نزلاء دور المسنّين في رمضان وبقية العام
يشكو نزلاء دور المسنين متاعب بالجملة، باعتبار أنهم من ذوي الفئات الهشة، وعلاوة على معاناتهم من الجانب الصحي في ظل الأمراض والتقدم في السن، فإن هناك معاناة أخرى ناجمة عن شعورهم بالتهميش وافتقادهم إلى الدفء العائلي، وهي النقطة التي يسعى البعض إلى مراعاتها، سواء من طرف هيئات التضامن الاجتماعي، أو من طرف الناشطين في المجال الخيري والجمعوي، من خلال مشاركتهم أجواء شهر رمضان وعديد المناسبات الوطنية والدينية.
يؤكد الكثير من العارفين لواقع نزلاء دور العجزة بأن الحرص على خدمتي الإيواء والإطعام غير كاف رغم أهميته، بل هم في حاجة ماسة إلى رد الاعتبار بزيارات تحمل طابعا أخويا إنسانيا، بغية بعث الدفء العائلي، بعدما وصل بهم الأمر إلى هذه الأماكن من طرف الأبناء وذوي القربى في مجتمع مسلم يفترض أن يتصف بالتلاحم الأسري، ولا يتم اللجوء إلى دور العجزة التي يرى الدكتور بدر الدين زواقة أنها في أصلها عملية لحل أزمة مفتعلة تتعلق أساسا بتفكك الأسرة وغياب دورها الأساس في التنشئة الاجتماعي، مضيفا أن هذه الظاهرة في أصلها غريبة عن المجتمع الإسلامي الذي يُبنى أساسا على الضبط الاجتماعي وبقيم الدين، لكن القوانين التي تنطبق حسب محدثنا من غير مقصد وروح أثرت سلبا في علاج الأزمة.
متاعب صحية يضاعفها الإحساس بالافتقاد والتهميش
يرى الطبيب المثقف رمزي بوبشيش بأن دار المسنين في الجزائر تحوّلت إلى مراقد لا غير، مراقد إيواء توفر الأكل والشرب على الأغلب فقط مع اعتناء قليل بالجوانب الأخرى. وأكد أن أبرز ما يحتاجه المسن هو الرعاية الصحية والطبية الخاصة باعتبار أن لفئة المسنين أمراضا خاصة ومرتبطة بهم تحتاج إلى إشراف طبي خاص ومتابعة مستمرة، معتبرا أن العناية الطبية مهمة جدا للمسن للحفاظ على صحته الجسدية والنفسية، وخصوصا هذه الفئة في دار المسنين التي تعاني إحساس الافتقاد والتهميش العائلي، ما يعرضها حسب الدكتور رمزي بوبشيش لأمراض نفسية وعقلية وأمراض الذاكرة العقلية.
ودعا الدكتور رمزي بوبشيش إلى أهمية التركيز على السياحة الطبية لهؤلاء المسنين في الحمامات المعدنية وغيرها، خاصة وأن لها دور في الحفاظ على صحتهم. كما أكد على أهمية خدمات إعادة التأهيل الفيزيائي واللغوي والعصبي والنفسي للمسن لتفادي العجز الجسدي ومرض الخرف، مع أهمية الإكثار من الجلسات الجماعية للمسنين رفقة بعضهم، أو إدراج زيارات للمجتمع المدني الشاب لهم لإخراجهم من عزلتهم ووحدتهم، كل هذا يعزّز حسب الدكتور رمزي بوبشيش من الإقامة الجيدة للمسن بعيدا عن ثقافة الإيواء وثقافة الأكل والشرب فقط.
بعث الدفء العائلي.. مساعي الجمعيات في رمضان
وتسعى مختلف الجمعيات الخيرية وحتى الثقافية والرياضية إلى القيام بمبادرات لكسر جدار الصمت والعزلة عن نزلاء دور المسنين، خاصة خلال شهر رمضان وفي مختلف المناسبات الدينية والوطنية، حيث وقفت الشروق على الالتفاتة التي قامت بها مؤخرا جمعية المراسلين والصحفيين “الأوراس” بولاية باتنة، من خلال تنظيم إفطار جماعي لفائدة المقيمين بدار المسنين. وحسب الأستاذ هشام أزرقي فإن هذه المبادرة التي جاءت من أجل خلق جو عائلي ومشاركة هذه الفئة المحرومة أجواء هذا الشهر الفضيل تم تنظيمها بالتنسيق مع مديرية النشاط الإجتماعي والتضامن لولاية باتنة وبمساهمة عدد من المحسنين الذين فضّلوا البقاء في الخفاء، مضيفا بالقول:” إشراك الصحفيين في العملية التضامنية باعتبارهم أفرادا فاعلين في المجتمع وهم قدوة لدى الكثيرين لإيصال رسالة نبيلة بضرورة وأهمية العناية بفئة المسنين والمقيمين في المراكز التي أوجدتها الدولة لرعايتهم والتكفل باحتياجاتهم الضرورية”.
وأكد أن المبادرة سمحت بمعايشة لحظات مع المقيمين بدار المسنين المتواجدة بحي بوعقال وسط مدينة باتنة والوقوف عن كثب على معاناتهم من الحرمان وغياب الدفء العائلي بالدرجة الأولى، وهو ما ذهب إليه مدير النشاط الاجتماعي والتضامن بالولاية محمد أمين رحايلية الذي أكد على أهمية مثل هذه المبادرات، خاصة في ظل حاجة هذه الفئة للدعم المعنوي، وبالمرة مشاركتها أجواء حميمية تعوضهم الحرمان وغياب الدفء العائلي.
الاهتمام بالشقاء والعناء قبل الغذاء والإيواء
من جانب آخر، يؤكد الأستاذ نور قداش في حديثه للشروق بأن المسألة الأولى المهمة والغائبة عن الكثيرين هي استخدام مصطلح “دور المسنين” بشكله العام وحصره في توفير جودة الغذاء والإيواء، وبهذا فهم يغفلون حسب قوله جوانب أخرى هامة على غرار الرعاية الصحية بما فيها التمريضية والصيدلانية والنفسية، بحيث من المفترض تأسيس نظام قانوني يسمح بإنشاء صيدلية خاصة، ممرضين ونفسانيين مؤهلين في الخدمة بشكل دائم، والحرص على بناء نظم خاصة واستثنائية تعليمية لمحو الأمية وتحفيظ القرآن الكريم، وتقديم الدروس ليس من أجل التعلم فحسب، بل حسب الأستاذ نور قداش لمواجهة مظاهر الاكتئاب والإحباط وبعث روح استمرارية الحياة وسعادتها، فضلا عن تنظيم خرجات سياحية جبلية وحموية.
وأكد نور قداش على أهمية مصادر التمويل بعيدا جهود الدولة (جمعيات، أهل الخير، زكاة الفطر..) والذي يجب في نظره أن يدخل ضمن الميزانية والحساب العام كإيرادات ونفقات وليس إبقائه بشكل عشوائي .وأوضح محدثنا بأن دور المسنين أصبحت تجمع إلى جانب الفئة المذكورة ذوي بعض الأمراض العصبية وكذلك فئات بدون مأوى، مشيرا أنه بغض النظر عن الفئات العمرية فإن رعايتهم مختلفة تماما بينهم عن المفهوم التقليدي المحصور في “المسنين أو العجزة”، ما يتطلب في نظره تأسيس منظومة قانونية بعيدا عن المزايدات السياسية و”السوسيال”.
وبعيدا عن بعض المساعي القائمة خلال شهر رمضان وبقية أيام العام، إلا أن الدكتور بدر الدين زواقة يؤكد على ضرورة معالجة المشكلة من أساسها دون ترقيع، لأنه حسب قوله “بدلا من عقوبة وتعزير الأبناء على جريمتهم وكبيرتهم الشنيعة في التخلص من أصولهم باسم القانون، لذلك تكتيكيا يجب على الدولة استيعاب هذه الفئة والاهتمام بهم في كل الجوانب النفسية والسلوكية والاجتماعية.. والتفكير الحاد في إدماجهم مجتمعيا واستراتيجيا، من خلال تجريم هذا الفعل قانونيا واجتماعيا، وإعطاء أولوية لهم من حيث النفقة والإرث”. ويكون ذلك حسب محدثنا من خلال مشروع مجتمع ينطلق أساسا من الضبط الاجتماعي والعرف والدين بدلا من القوانين والتشريعات فقط.