هذا ما يليق بالقدس
في فلسطين تجتمع ثنائية رائعة.. شعبٌ مرابط حدد الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مهمته بأنه في رباط إلى يوم الدين وأن شهيده بخمسين من شهداء الصحابة.. وأنه لعدوّه قاهر وهو على الحق المبين.. وفي فلسطين أرض مباركة كل ما فيها مبارك: هواؤها وماؤها وزيتونها وجبالها… ذلك لأنها الأقرب إلى السماء. ومنها تم المعراج. وفيها اجتمع الأنبياء.. ثنائية رائعة حيث يتوحد المكان بأهله فتصبح البركة والقداسة متمثلة بكيان وجودي فذ؛ إنه فلسطين سيدة الأرض وما يليق منها لمد اليد نحو السماء.
ولأنها كذلك، فهي الأمينة على السلم العالمي فلا سلام في العالم إلا منها وبها.. ولا كرامة للعرب والمسلمين إلا بها. وكما قال الإمام ابن باديس مخيرا العرب بين مستقبلين: “يا عرب.. إما فلسطين أو الموت“.. ذلك لأنها ببساطة شديدة تمثل أرقى القيم الإنسانية، إنها وطن الإنسان وإنها وطن الكرامة الآدمية، ففي سمائها أنفاس الأنبياء والصالحين والعارفين والعباد والنسّاك والزهّاد والمناضلين الكبار والشهداء العظام.
لا يليق السير نحوها بانتهاج دروب وعرة متخفية متلوثة بأكاذيب الأعداء، ولأنها هي الوضوح فلا مكان للعتمة، ولأنها هي النقاء فلا مجال للخداع والكذب والأنانيات الاستحواذية.. لأنها هي النور فلا ظلام، ولأنها هي الإنسان فلا عنصرية.. فهل يمكن لفلسطين ـ وهذه حالها ـ أن يرتقي السلمّ إليها من لم تقو ساقاه على الصعود أو تجره إلى الخلف همهمات الوعود الكاذبة وتلقيه على وجهه حسرات اليأس والفراغ؟ لا يليق بفلسطين إلا عزيمة شباب انفلتوا من ربقة الزيف كالسهم إلى السماء.. شباب لم تحطمه الليالي ولم يسلم إلى الخصم العرين.. شباب فلسطين لا عنوان له إلا فلسطين ولا درب له إلا فلسطين ولا هدف له إلا فلسطين ولا إيديولوجيا له إلا فلسطين.. شباب تحرر من كل ما عدا فلسطين، فأشرقت في روحه ومنحته بركاتها فتقاذف على جنود العدو ومستوطنيه يطعن ويقتل وينظف الوطن من شرورهم ويُلجئهم إلى الصراخ والفرار والاستنجاد بحلفائهم الغربيين وبعض حكام العرب.. شباب كما شاءت له فلسطين أن يكون.. شباب تتجسد فيه نبوءة الرسول الصادق الأمين..
ومن دون استعجال، من الواضح أن الشعب الفلسطيني يردّ بقوة على الحصار المفروض عليه في غزة، وعلى الاستيطان المفروض عليه في الضفة، وعلى التهويد المفروض عليه في القدس، وعلى العنصرية المفروضة عليه في فلسطين الداخل وفي الشتات، والتهميش المفروض عليه في مخيمات لبنان وسوريا والمَهاجر.. الشعب الفلسطيني لأول مرة، منذ النكبة، يتوحد في الأداء ويتكامل في العطاء: في الناصرة وأم الفحم والعفولة وحيفا ويافا وبئر السبع تماما كما في رام الله وبيت لحم والخليل وجنين ونابلس وغزة وخان يونس ورفح… كل الوطن الفلسطيني وكل الشعب الفلسطيني ينتفض بهذا التزامن والتجانس والإبداع في لحظة واحدة ولسان حاله يقول: شكرا للجميع لكل الأحزاب والتنظيمات.. شكرا لكل من جاهد وساند وقدّم دما أو مالا أو عِرقا أو فكرا.. إنكم أيها السادة لم تستطيعوا رغم كل ما بذلتم الاتساع لهمّة شعبنا وروحه وطموحه وقدرته. وهنا والآن ينبعث الشعب في معراجه إلى المجد، ولن تستطيع العواصف الهوجاء من المؤامرات أن تطفئ قناديل القدس.. تولانا الله برحمته.