هذا من فضل ربّي!
قال نجيب محفوظ وكتب: “أعرف الكثير من اللصوص يضعون على مكاتبهم (هذا من فضل ربي)”.. صادفتني هذه العبارة، وأنا أتصفح بريدي الإلكتروني صباحا، بعدما تصفحت الجرائد الوطنية، التي لم تخل من أخبار السرقة والنصب والاحتيال والنهب، ولا فرق في هذه “الصناعة” بين وزير ومدير ومير وغفير وبائع الشعير وسائق الحمير!
فعلا، المصيبة أن يتبرّك “الباندية” بما يسرقون، ويتمادوا في غيّهم، فيضعوا، على حدّ تعبير نجيب محفوظ، يافطات مزوّقة، وربما مكتوبة بحبر من ذهب، شعار: “هذا من فضل ربي”، وهم بذلك يهدفون إلى إبعاد الشبهة عنهم، ولعنة الحساب والعقاب، وإبعاد عين الحسود التي لا تسود!
نعم، “هذا من فضل ربي”، أصبح ملجأ السراق والباندية والفاسدين لمواصلة سرقتهم وتبريرها وإسكات الألسن عنهم قبل أن تنطق.. ولذلك، أصبح السارق في نظر عامة الناس “قدوة” يُحتذى بها ويُضرب بها المثل، خاصة إذا نجت من السجن، ولم يُكتشف أمرها، أو لم يبلـّغ عنها!
لكن الطامة الكبرى، إذا تم تلخيص القضية، في مجرّد اتهام السارق بالسرقة، على صفحات الجرائد وفي الخطابات الجماهيرية، سواء بالتصريح أم التلميح، دون فضحه بالدليل و”التبهديل”، لتبقى مجرّد “هدرة” لا تسمن ولا تغني من جوع، وإن كانت كافية أحيانا لنقل الرعب إلى الطرف المعني!
اتهام “السارق” وبهدلته، دون توقيفه، أو التبليغ عنه رسميا من الجهة المتضرّرة أو الجهة المسروقة، يصبح كمن يؤذن في التبت، أو يضرب الريح بالعصا، أو يُحاول تنشيف البحر بفنجان قهوة، وهذا المنطق هو الذي ضاعف أعداد السرّاق وجعلهم محلّ تقليد من الصغار والكبار مثلما يُقلـّد الأطفال والمولعون نجوم أفلام السينما والأكشن!
لم تعد المظاهر والأقنعة كافية لـ “تحليل” السرقات التي أدخلت البلاد والعباد في “حيط” الإفلاس والاختلاس، وحتى إن اختلف ميزان وقيمة السرقة، فإن ناهب المسمار وناهب المليار وناهب أملاك “البايلك” بالأورو والدينار، لا يختلفون في قاموس التفسير، وكلهم في السرقة سواء!
“هذا من فضل ربي”، حتى وإن كان من عائدات السرقة والنهب، تقابله عبارة لا تقل خطورة في محتواها، فعندما يردّد متورط “ما شفتوني غير أنا؟”، فهذا مؤشر على لجوء المتورطين والمتواطئين إلى إصدار “فتاوى” تـُجيز الموبقات والمنكرات حتى وإن كان الحلال بيّنا والحرام بيّنا!
نـُشر في 11 7 2017