الشروق العربي
الفنانة نسرين بلحاج لمجلة الشروق العربي

هذا هو سر نجاح شخصية “ساجو” بالبطحة

طارق معوش
  • 1793
  • 0
تصوير: ندير عيبش

إنها تلك الأنثى التي لن تحاول إغراءك بمظهرها بتاتًا، فهي تُدرك جيّدًا أن هذا لا يجدي كثيرًا في الفنّ. إنها تلك الأخت والابنة والزوجة، التي تسحرك بهيبتها على خشبة المسرح وخلف الكاميرا. كمثال عن الفنانة الحقيقية التي تضع كل ثقلها على اختيارها أدوارها، وأدائها القويّ، البعيد جدًّا عن الابتذال.

في حوار لـ “الشروق العربي”، تتحدّث الفنانة نسرين، كما لم تفعل من قبل، عن تصوّرها للإبداع وعن دور الفنان في مجتمع اغتيلت فيه الثقافة لسنوات، فكيف ستنتصر على شعورها بالهزيمة الحضارية؟

وأكدت ابنة الهضاب، نسرين، أن النجاح الذي حققته في مسلسل “البطحة” كان مختلفا ومميزا جدا، خصوصا بالنسبة إلى فنانة قضت سنوات على خشبة المسرح، وقالت إنه لفت الأنظار إلى موهبتها في مجال التمثيل أكثر وبين قدرتها على الأداء العالي، مهما كان الدور، بدليل تقمصها شخصيتها المركبة.

ضيفة الشروق عرفناها من خلال أعمال تركت لنا بصمة بأذهاننا، نذكر منها: سلسلة جحا.. فيلم صرخة النوارس، للمخرج بشير بلحاج.. سلسلة قهوة ميمون، مع جعفر قاسم.. دار الجيران.. ساعد القط2.. الفيرمة.. جارتي 1 و2.. دوار الصالحين، للمخرج مهدي تسابست.. سلسلة إسعاف كوم.. ديما لباس.. طلاق دزاد، للمخرج المرحوم نزيم قايدي، إلى جانب أعمالها السينمائية، التي شرفت بها الجزائر داخل وخارج الوطن..

قلقي الفني منحني فرصة تقديم ما أصنفه في خانة الفنّ المحترم

الشروق: بداية، يقال إن “القلق وِسادة الفن”، هل ساعدكِ قلقك الفنيِّ والمعرفيِّ على اكتشاف ذاتك في التمثيل أو على استيعاب القضايا المجتمعية الراهنة، خاصة أن كل أعمالك تتحدث عن واقع مجتمعنا الحالي وما يعانيه؟

– في الحقيقة، لقد كان هذا القلق دائمًا بمثابة تلك الشعلة، التي لا تخبو في صدري، وقد ساعدني كثيرًا على اكتشاف ذاتي من خلال التمثيل، قلقي هذا منحني فرصة تقديم ما أصنفه في خانة الفنّ المحترم، المبنيّ بالضرورة على أسس جمالية ومعرفية. أستطيع الجزم بأن هذا القلق قد أنقذني من الوقوع في الابتذال.

أنا أُدين بهذا الكمّ البسيط من الوعي الذي أحتفظ به في قراراتي لمدرسة المسرح، فالركح هو الذي أعاد بناء ذاتي، وأدخلني عوالم كنت أجهلها ولا ألِجها، وعرّفني على حقائق كنت أرتعب منها وأهاب الخوض فيها، أضف إلى ذلك، أن المسرح دفعني إلى البحث والتعمق في عدة قضايا اجتماعية وتربوية.

الشروق: هل يمكن للفنان التعايش مع فصوله الداخلية عبر الإبداع في دور تمثيلي؟

– في الواقع، إن تقمّصي أي شخصية مرّت بي خلال مشواري بالتمثيل، وخاصّة تلك الشخصيات التي لعبتها وتعلقت بها سواء أمام الكاميرا، كدوري بمسلسل البطحة، أم على ركح المسرح كموندراما فاطمة أو طيموشة أو الفحلة، وصولا إلى مونودراما قادرة على شقاها، وغيرها من الأعمال المسرحية، أعتبرها جزءا غاليا من مشواري الفني.

هذا هو سر نجاح شخصية “ساجو” بالبطحة

الشروق: ما الذي منحك إياه التمثيل التلفزيوني باعتبارك ابنة المسرح من خلال “البطحة” مثلًا؟

– لقد أعطاني التمثيل التلفزيوني فرصًا ينتظرها أي فنان، من خلال التعرّف على جمهور أوسع بعيدًا عن جمهور المسرح، وفئة جديدة ومختلفة من المشاهدين، كما أنّني حظيت بعلاقات طيّبة وجميلة في هذا الوسط. علاقات غنمت منها محبّة عالية وغير مشروطة، وهذا ما أعتبره هديّة إلهية.

الشروق: هل حاصرتكِ شخصية “ساجو” طويلا؟

– “ساجو”، كانت شخصية شقية ومشاغبة، وهي في الواقع مِن أحبّ الأدوار التي جسّدتها إلى قلبي، ربّما يعود ذلك إلى أنني استلهمت صفاتها من عدة نسوة في حياتي.

شخصية “ساجو” تحمل من كل امرأة منهن صفة، هذا المزيج الجميل بين معاناتها وحسها الفكاهي وبساطتها جعلها شخصية عالقة بأذهان كثيرين.

الشروق: هل تعتقدين أن المساحة الذاتية في التمثيل قد تسلب من الفنان قدرته على تقمّص نقيضه من الشخصيات؟

شخصيًّا، أعتقد أن الممثّل الحقيقي الذي يمتلك القدرة على الاشتغال الدائم على ذاته بصفة مستمرّة، يُمكنه الانتقال بسهولة نحو الشخصية النقيضة، فالنفس البشرية تستطيع اكتساب كل أنواع الصفات، حسنها وسيئها، إضافة إلى جملة من العواطف والعقد التي لا تُحصى، لكنها تتفاوت نسبيًا بين شخص وآخر، وما على الممثل هنا، سوى استحضار الصفة التي يمكنه تركيب الشخصية النقيضة المبتغاة من خلالها، وأن يبحث عنها جيّدًا في دواخله.

أجزم بأن الحياة تزرع في النفوس كلّ أنواع البذور، نحن فقط من نختار ما يمكن سقايته والعناية به ليكبر فينا. في خضم كل هذا، يمرّ الفنان بعملٍ نفسيٍّ وذهنيٍّ كبير، ليبقى الاجتهاد هو الوسيلة الأمثل لبلوغ روح تلك الشخصيات وإتقانها.

الحياة تزرع في النفوس كلّ أنواع البذور.. نحن فقط من نختار ما يمكن سقايته ليكبر فينا

الشروق: هل تطمحين إلى ولوج العوالم الدرامية مستقبلًا؟

– لا ريب في أن لي من الطموحات والأحلام الكثير لأحقّقه، كأن أنال فرصًا أفضل وأرحب. بشخصيات تتّسم بالعمق والجديّة، لكي أخوض تجارب تمثيلية أتمناها مختلفة، مسرحيًا وتلفزيونيًا وسينمائيًا أيضًا، تلك الفرص التي قد تصنع مني الإنسانة والفنانة التي ما زلت أبحث عنها في داخلي.

أريد فرصًا هادفة ومحترمة وذات وزن فكري، لتساهم ولو قليلًا في إثراء الذوق الفنّي، وأن ترسم الابتسامة على محيّا المشاهد، وتثير في قرارته الكثير من الأسئلة بحثًا عن الحقيقة.

رغم أن بداياتي كانت بأدوار رئيسية، كدور درامي ثلجة بفيلم صرخة النوارس للمخرج بشير بلحاج.

الشروق: هل الكوميديا على ركح المسرح حاليًا هي محاولات إضحاك وسخرية أم إنها فعلٌ سياسي ونضالي؟

– في الواقع، لا يمكنني بأيّ شكل من الأشكال إصدار حكم على ما يقدّمه المسرح الجزائري حاليًا، بصفتي ممثلة. صحيحٌ أن هناك أعمالًا عديدة أبهرتني وأثارت إعجابي، وأعتز جدًا بالمشاركين فيها من زملاء، وهناك أعمالٌ أخرى لا تستهويني ولم أحبّها، لكنني لست في موقع يخوّل لي إصدار الأحكام، فأنا أنتمي إلى هؤلاء.. لكنني عمومًا، أؤمن جدًا بأن الفنّ المسرحي هو عملٌ نضاليٌّ اجتماعيٌّ وسياسيٌّ وثقافي حدّ النخاع، وكما قال بول غوغان: “الفن إمّا أن يكون ادعاءً أو ثورة”.

ھناك شخصیات عدیدة أطمح إلى تقدیمھا.. والمشاھد لیس غبیا ویمتلك القدرة على التمییز

الشروق: ما الأدوار التي تطمح نسرين بلحاج إلى أدائھا؟.

ـ كل الأدوار التي لم أؤدھا بعد، ھناك شخصیات عدیدة أطمح إلى تقدیمھا، فالجزائر بحجم قارة، وأطمح إلى المشاركة في أعمال تصور في مختلف مناطق الوطن أو خارجه، للتسویق والترویج ولم لا.

الشروق: ما رأیك في الاعتماد على معیار الشھرة وعدد المتابعات المتابعة على مواقع التواصل في انتقاء الممثلین؟

ـ المشاھد لیس غبیا، ویمتلك القدرة على التمییز، أكید، یوجد مؤثرون أو عارضو أزیاء یمتلكون موھبة ورغبة في العمل، وھؤلاء بإمكانھم العمل في المجال إذا صقلوا ذلك بالتكوین، فھناك من اقتحموا المجال بذكاء، ویعملون بالتوجيھات ویأخذون بآراء المحترفین فیه، وھنا بإمكانھم اتخاذ القرار الصحیح، سواء بالمواصلة أم بالانسحاب.

الشروق: ماذا يمثّل لك المسرح؟

– دائما أقول: المسرح سحر ومفعول السحر قوي ولا يزول أبدا- المسرح هو حبّي الأول والأخير، هو حياتي وعالمي الخاص، سجّلت من خلاله تاريخاً مشرّفاً.. ووقفت على خشبته كممثلة وأنا لا أزال صغيرة، وعشت أجمل أيام حياتي فيه.

الشروق: ما أكثر الأدوار التي تشبه نسرين بلحاج مسرحيا؟

– كل الشخصيات التي أديتها، فيها من تشبهني وفيها من لا تشبهني، ودوري كممثلة أن أتقمص الأدوار التي تستهويني…

نسرين بلحاج في سطور

– نسرين بلحاج، بدايتها كانت بدار الثقافة بسطيف، بدءا بالموسيقى الكلاسيكية والأندلسية والبالي والمسرح، إلى أن التحقت بالمعهد العالي للفنون الدرامية ببرج الكيفان.

– شاركت في العديد من المسرحيات آنذاك والتكوينات الوطنية والدولية في الكتابة والإخراج وإعداد الممثل.

– بعد تخرجها التحقت مع الكبيرين الراحلين، صونيا وبن قطاف، بالمسرح الوطني الجزائري.

– شغلت مرتين منصب مستشارة ثقافية بـ م ث سطيف وم ث الجزائر وأستاذة pca بالمدرسة الوطنية التحضيرية لدراسات مهندس بالرويبة وعضو في عدة لجان تحكيم وطنية ودولية.

– أبدعت نسرين بين المسرح والدراما والسينما نذكر- سلسلة جحا.. فيلم صرخة النوارس مع حميد مصباح والمخرج بشير بلحاج.. سلسلة قهوة ميمون مع جعفر قاسم.. ودار الجيران.. ساعد القط2.. الفيرمة.. جارتي 1 و2 ودوار الصالحين وسلسلة إسعاف كوم للمخرج مهدي تسابست… ديما لباس وطلاق دزاد للمخرج المرحوم نزيم قايدي- إلى جانب أعمالها السينمائية، التي شرفت بها الجزائر داخل وخارج الوطن..

مقالات ذات صلة