هذه عقيدتنا في أهل البيت
كثيرا ما يتّهم الشّيعة أهل السنّة بأنّهم لا يتحدّثون عن أهل بيت النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- ولا ينزلونهم المكانة التي حظوا بها، ولا يخفى على كلّ عارف بعقائد الشّيعة وشذوذاتهم أنّهم يكيلون هذه التّهمة لأهل السنّة، لا لشيء إلا لأنّهم يرفضون الغلوّ الفاحش في أئمّة أهل البيت والذي وصل بالشّيعة إلى درجةّ أنّهم نسبوا إلى الأئمّة ما ليس إلا للخالق سبحانه، كتدبير أمور الخلق وعلم الغيب وحساب الخلائق، ورفعوهم فوق مرتبة الأنبياء والمرسلين جميعا باستثناء خاتمهم عليه الصّلاة والسّلام، ونسبوا إليهم أقوالا وأحوالا تناقض ما تواتر من سيرهم العطرة.
الشّيعة يرون أنّ كلّ من ينكر عقيدتهم المنحرفة في أهل البيت والتي حادت بهم عن اتّباعهم واقتفاء آثارهم إلى الغلوّ في ذواتهم واتّخاذهم شفعاء ووسائط ينزلون بهم الحاجات ويستغيثون بهم في الملمّات؛ كلّ من ينكر هذا الغلوّ هو في ميزان الشّيعة مقصّر في حقّ أهل البيت، وربّما يتّهمونه ببغضهم! ولو كانت هذه الحجّة صالحة، لصلحت حجّة النّصارى في اتّهامهم المسلمين بأنّهم لا ينزلون عيسى بن مريم -عليه السّلام- منزلته، لأنّهم يرفضون غلوّ النّصارى.
أهل السنّة أنزلوا أهل البيت –رضي الله عنهم- المكانة السّامقة التي أنزلهم الله ورسوله بها؛ فهم يعتقدون أنّهم أطهر وأتقى أهل بيت في تاريخ البشرية. كانوا أهل توحيد لله واتّباع لسنّة جدّهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأهل شجاعة وصدع بالحقّ لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يلوذون بالتقية الخادعة ولا يدينون بها، وأهل قلوب وألسن صافية نقية لصحابة النبيّ -صلى الله عليه وآله وسلّم- وأهل زهد في الدّنيا ومناصبها وبهارجها، وأهل فطرة وطهارة، ينهون النّاس عن الرّيبة والخنا والمخادنة وعن استباحة الفروج باسم نكاح المتعة.
يعتقد أهل السنّة أنّ أعلام أهل البيت، ومنهم علي والحسن والحسين ومحمّد بن الحنفية، وزين العابدين، والباقر وزيد والصّادق، والكاظم، والرّضا، والجواد، والهادي، والعسكريّ وأخوه جعفر،… كانوا أئمّة هدى ومصابيح دجى، ساروا على المحجّة، ولزموا كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلّم، وأبلوا البلاء الحسن في نصرة دين الله، جاهد من جاهد منهم بالسّنان، وجاهد من جاهد منهم بالحجّة والبيان. ويعتقدون في علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- خاصّة أنّه يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، مبشّر بالشّهادة والجنّة، وهو مولى كلّ مؤمن ومؤمنة. رابع أفضل البشر بعد الأنبياء والمرسلين. خليفة مهديّ راشد، لو تولّى الخلافة بعد النبيّ -صلى الله عليه وآله وسلّم- لكان أهلا لها ولأبلى بما أبلى به الصدّيق -رضي الله عنه- أو قريبا من ذلك. ويعتقدون في فاطمة -رضي الله عنها- أنّها سيّدة نساء العالمين، وسيّدة نساء أهل الجنّة، صدّيقة طاهرة تقية نقية، وفي الحسن والحسين –رضي الله عنهما- أنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة، وريحانتا المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلّم- من هذه الدّنيا، إمامان مهديان راشدان، كانا أفضل من معاوية وأبيه، وأولى بالخلافة منه ومن بنيه.
يعتقد أهل السنّة أيضا أنّ عليًّا -رضي الله عنه- كان صاحب الحقّ فيما حصل من خلاف بينه وبين إخوانه –رضي الله عنهم ورحمهم- في الجمل وصفين، والذين خالفوه، خالفوه وهم مجتهدون مخطئون، ولم يكن بينهم ولا بين من كان مع علي -رضي الله عنه- من صحابة النبيّ -صلى الله عليه وآله وسلّم- من يريد القتال، وإنّما حصل ما حصل بسبب مكر أهل الفتنة من قتلة عثمان، عليهم من الله ما يستحقّون.. ويعتقدون أنّ الحسين -رضي الله عنه- لم ينابذ يزيد بن معاوية طلبا للخلافة، وإنّما حماية للدّين ودفاعا عن حياضه، خالفه من خالفه من الصّحابة -رضي الله عنهم- لا محبّة ليزيد ولا رضا بحكمه، ولكن تقديرا للمصالح والمفاسد.. يعتقدون أيضا أنّ الحسن العسكريّ -عليه رحمة الله- مات من غير أن يترك ولدا، وهذا ما شهدت به الرّوايات التّاريخيّة، وما شهد به أخوه جعفر -عليه رحمة الله- ولو كان الحسن العسكريّ قد ترك ولدا لكان أهل السنّة من أسعد النّاس بمحبّته وموالاته، ولكنّهم لا يخالفون الواقع لإرضاء من يخالفهم. يؤمن أهل السنّة بظهور المهديّ الذي أخبر النبيّ -صلى الله عليه وآله وسلّم- أنّه سيظهر على حين اختلاف من النّاس، ليملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، لكنّهم يؤمنون بأنّه من سلالة الحسن بن علي رضي الله عنهما، واسمه: “محمّد بن عبد الله” أو “أحمد بن عبد الله”، ولا علاقة له بالمهديّ –الأسطورة- الذي يعتقد به الشّيعة.
يعتقد أهل السنّة أيضا أنّ أئمّة أهل البيت –رضي الله عنهم- على فضلهم وعلوّ مكانتهم، لا يعلمون الغيب، ولا يعلمون متى يموتون. ليسوا أفضل من الأنبياء، وهم بشر يصيبون ويخطئون، ويسهون وينسون، ولكنّ أخطاءهم مغمورة في بحار حسناتهم بإذن الله. لم يفوّض الله إليهم شيئا من أمور هذا الكون، كما لم يفوّض إلى غيرهم من الأئمّة والأعلام، بل ولا إلى الأنبياء عليهم السّلام.. كانوا في حياتهم ينفعون من حولهم في دينهم بالعلم الذي حصّلوه طلبا ومدارسة، وينفعون من حولهم في أمور دنياهم بدعائهم وبما يمكن غيرهم من البشر أن ينفعوهم به، أمّا بعد موتهم فإنّهم ينفعون غيرهم بما تركوا من علم، وينتفع غيرهم بمحبّتهم واتّباعهم والترحّم عليهم والترضّي عنهم والصّلاة عليهم مع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأمّا ما سوى ذلك فإنّهم لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعا ولا ضرا، ولهذا فأهل السنّة يعتقدون أنّ محبّة أهل البيت تترجم بالدّعاء لهم والصّلاة عليهم، واتّباع نهجهم، واقتفاء آثارهم، ولا تكون بالغلوّ فيهم، ورفعهم فوق مراتب الأنبياء، وفوق مرتبة العبودية التي ارتضاها الله لهم وارتضوها لأنفسهم، ولا تكون بالبناء على قبورهم ودعائهم من دون الله أو مع الله.
أمّا عقيدة أهل السنّة في مبغضي أهل البيت، فإنّهم يقولون إنّ من أبغضهم في مجموعهم فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين، ومن أبغض واحدا منهم لدينه أو لقرابته من رسول الله –عليه الصّلاة والسّلام- فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين، ومن أبغض واحدا منهم لسبب دنيويّ فقد عصى الله ورسوله، وأمْره إلى الله.. من أبغض أهل بيت النبيّ -صلى الله عليه وآله ويلّم- أو سعى في قتل أحدهم أو رضي بذلك، فهو مستحقّ للّعن، من غير تخصيص معيّن باسمه، كما لا يخصّص معيّن مِن قتلة عمر ولا عثمان ولا علي باللّعن. ومن خصّص معينا ممّن ثبتت عداوته لأهل البيت أو لأحد منهم، كعبيد الله بن زياد مثلا، باللّعن فله وجه، ولكنّه ترك الأفضل وهو اللّعن بالعموم دون تخصيص، لأنّ اللّعن يعني الطّرد من رحمة الله، وهذا لا يكون إلا لمن ثبت ذلك في حقّه بنصّ شرعيّ كإبليس عليه لعنة الله. والمولى تبارك وتعالى خاطب نبيّه قائلا: ((لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُون)) (آل عمران، 128). وقال: ((لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيما)) (الأحزاب، 24).