هذه قصة البطلة الجزائرية كيليا نمور.. من المعاناة إلى المجد
باتت الرياضية الجزائرية كيليا نمور بمثابة قصة ملهمة لكل الرياضيات في العالم عقب تتويجها بالميدالية الذهبية خلال أولمبياد باريس 2024، في رياضة الجمباز اختصاص جهاز المتوازي مختلف الارتفاعات، الذي يعد اختصاصها المفضل وبتفوق واضح على كل منافساتها في العالم.
وخطفت الفتاة الجزائرية الشابة أنظار العالم خلال دورة الألعاب الأولمبية بباريس 2024، عندما قدمت أداء باهرًا في جهاز المتوازي مختلف الارتفاعات، يقول عنه اختصاصيون إنّه سيُخلَّد في ذاكرة الأولمبياد على اعتبار أنها رفعت سقف الأداء إلى أعلى درجة ممكنة.
ولم تكن مسيرة البطلة الجزائرية نحو منصات التتويج الأولمبي مفروشة بالورود، بدليل الدموع التي ذرفتها عقب الإعلان عن تتويجها بالميدالية الذهبية، أول الأحد، ما يترجم المعاناة التي كابدتها قبل الوصول إلى المجد الأولمبي، والتي بدأتها من قصة مرضها النادر وتحديها للإتحاد الفرنسي للجمباز الذي منعها من العودة إلى المنافسة قبل أن تختار الدفاع عن ألوان الجزائر.
مثل آلاف الجزائريين المتواجدين في المهجر، ولدت الجمبازية الجزائرية نمور في فرنسا في الـ30 ديسمبر 2006، من أب جزائري وأم فرنسية، وبدأت ممارسة الجمباز في سنّ صغيرة جدًّا بدعم من والدتها، التي رسمت طريقها إلى هذه الرياضة الفنية، ولم تتأخر البطلة الأولمبية في إبراز موهبتها الكبيرة.
وتوّجت فراشة الجزائر بطلة لفرنسا لمسابقة الشباب وهي بسن الـ13 عامًا، قبل أن تتألق بعدها في عدة دورات أوروبية خلال عام 2019 عندما كانت تمثل فرنسا آنذاك، لتصنف في خانة أمل فرنسا الأولمبي في رياضة الجمباز.
مرض نادر كاد يقضي على مسيرة البطلة الأولمبية
وفي خضّم صعود كيليا نمور كنجمة بارزة في رياضة الجمباز في فرنسا وأوروبا واقترابها من ولوج الساحة العالمية، اكتشفت نمور عام 2021 وهي لم تتجاوز الـ14 ربيعا، أنها تعاني من مرض نادر يصيب العظام ويؤثر في النمو الطبيعي، واضطرت إلى الخضوع لتدخل جراحي في كلتا الركبتين لعلاج ما يسمى بالتهاب العظم والغضروف أو الداء العظمي الغضروفي، وهو خلل في نمو العظام والغضروف يصيب الأطفال بشكل أساسي من سنّ الخامسة إلى 12 سنة.
وتعرضت البطلة الجزائرية لصدمة قوّية واجتازت فترة صعبة جدا، خوفا من توقف مسيرتها مبكرًا وتحطيم أحلامها الأولمبية، لكنّها كافحت برفقة عائلتها من أجل العودة إلى المنافسة، وبالفعل نجحت في ذلك بعد حوالي عام كامل بعد ترخيص من طبيبها الخاص.
معركة أخلاقية وقانونية طويلة مع الاتحاد الفرنسي
لم تفرح نمور كثيرًا بتجاوز المرحلة الصعبة التي أعقبت اكتشاف مرضها النادر وخضوعها لتدخل جراحي معقد في الركبتين، بعد أن دخلت في معركة أخلاقية وقانونية طويلة مع الاتحاد الفرنسي للجمباز، الذي حاول -برأي عائلتها والمتابعين- كسر مسيرة الجمبازية المكافحة.
ففي بداية عام 2022 رفض الاتحاد الفرنسي للجمباز الترخيص للبطلة العالمية والأولمبية بالعودة إلى أجواء المنافسة بحجة عدم أهليتها للتنافس مرة أخرى؛ لأن ذلك يشكل خطرا على صحتها، وهو الأمر الذي لم تتقبله كيليا نمور وعائلتها، خاصة أن طبيبها الخاص منحها الضوء الأخضر للعودة إلى المنافسة.
نمور تلجأ إلى أحضان الجزائر وتطلب تغيير جنسيتها الرياضية
أمام إصرار الاتحاد الفرنسي للجمباز على عدم السماح لها بالتنافس مرة أخرى، قررت كيليا نمور اللجوء إلى أحضان الجزائر، بلد والدها وأجدادها، لتطلب تغيير جنسيتها الرياضية والدفاع عن ألوان الجزائر، لتتحصل على موافقة الجزائر والاتحاد الدولي للجمباز.
ولم تتوقف معاناة الفراشة الجزائرية مع فرنسا عند قضية مرضها وإصابتها وعدم السماح لها بالعودة إلى المنافسة، ولكنها واجهت مشكلة أخرى تتمثل في رفض الاتحاد الفرنسي الترخيص لها لتمثيل الجزائر، رغم أن قانون الاتحاد الدولي يمنح الحق لأي رياضي تغيير جنسيته والتنافس بألوان بلد آخر مباشرةً بشرط الاتفاق بين الاتحادين المعنيين. وفي حال عدم حصول هذا الاتفاق، يجب على الرياضيّ المعني البقاء دون منافسة دولية لمدة عام كامل، وفي هذه الحالة، لم يكن عنصر الوقت في صالح البطلة الأولمبية الحالية، التي كانت مُطالَبة بالمشاركة في المنافسات الدولية لضمان تأهلها إلى أولمبياد باريس حلمها الأبرز، حيث كان الوقت عدو الجمبازية الجزائرية.
واضطرت نمور إلى إعداد عريضة احتجاجٍ وقّع عليها العديد من الرياضيين والمتضامنين معها ضد الاتحاد الفرنسي للجمباز، للسماح لها بتمثيل الجزائر، لكن ذلك لم يجدِ نفعًا إلّا بعد تدخل وزير الرياضة الفرنسية لدى الاتحاد الفرنسي لـ”تحرير” البطلة الجزائرية.
وبالفعل بدأت مسيرة صاحبة 17 عاما مع الجزائر شهر ماي 2023 أي قبل أزيد من عام بقليل عن موعد الألعاب الأولمبية بباريس، وتوجت معها بالعديد من الألقاب في أفريقيا والعالم قبل أن تصل إلى المنصة الأولمبية.
وتفتخر نمور بتغيّر مصيرها من رياضية فرنسية غير مرغوبة فيها إلى بطلة جزائرية دخلت قلوب ملايين الجزائريين، وأصبحت تحظى بشعبية جارفة رغم صغر سنّها وممارستها لرياضة لا تحظى بشعبية كبيرة ولا بتاريخ ذهبي سابق في الجزائر.
يذكر، أن نمور أهدت الجزائر أول ميدالية في الجمباز وسادس ميدالية في تاريخ مشاركاتها ضمن الأولمبياد، كما أنها أول ذهبية تحصل عليها في الحدث الرياضي العالمي الكبير منذ أولمبياد لندن 2012، عندما نال العداء توفيق مخلوفي المعدن النفيس في سباق 1500 متر.