الرأي

هزال الأوطان بين الوطنيات المتفرقة والأمة الجامعة

يعيش الإنسان العربي المعاصر في استقطابات هوياتية لا تنتهي، عالقاً بين حدود رسمها المستعمِر، وتحالفت عليها قوى دولية ظلت على مر التاريخ تسعى للسيطرة على البلاد الإسلامية، في صراعات استدعت فيها روح “الحروب الحضارية” بكل حمولاتها التاريخية، أو ما سمَّته “الحروب الصليبية”، وفي خضم هذا الصدام، بدت أوطاننا وكأنها تتخلى عن انتماءٍ صاغه التاريخ بدمائها، ونسجته لغتها بأحرفها، وسيَّجته عقيدتها بأركانها.

​ولتفكيك هذا المشهد المعقد والحاضر المأزوم، يجب أن نحرر المفاهيم أولا؛ فالوطنية في جوهرها ليست مجرد شعارات عاطفية، بل هي “عقد اجتماعي” وإدارة ذكية لشؤون الناس وتنمية للأرض وللأوطان، بينما الأمة هي “الروح الحضارية” والدرع الوجودي الذي يمنح الجغرافيا معناها وقوتها.

وهنا تبرز الإشكالية الكبرى: هل باتت وطنياتنا المعاصرة حصنا للمسؤولية والبناء، أم أنها تحولت إلى سجن جيوسياسي صُمِّم بعناية لإقناعنا بأن السيادة تعني الانكفاء، وبأن المصلحة الوطنية تقتضي الصمت، بينما يُحاصَر الجار ويُذبح الشقيق ويُعتدى على الأمة في مقوماتها؟

إن هذا “الهزال” الذي أصاب الأوطان ليس نتاج نقص في الموارد والإمكانات، بل هو نتيجة عزل الأوطان عن جسد الأمة الجامع، مما سهَّل استفراد القوى الكبرى بنا واحدا تلو الآخر، وتحويل أوطاننا بوهم القلاع الحصينة إلى جزرٍ معزولة تتداعى عليها الأمم بالهيمنة والنهب.

لماذا يتوحد الأغيار ونتمزّق نحن؟

في عالم اليوم، لم تعد القوة تُقاس بمساحة القطر أو بريق الاسم المفرد، بل بما يمكن تعريفه بحجم الكتلة الجامعة، فالسيادة الحقيقية في العصر الحديث هي قرينة الحجم؛ الحجم الاقتصادي، والبشري، والعسكري، والتجانس، والتكاتف، والتحالف، والاتحاد. وإذا نظرنا إلى خارطة القوى الفاعلة في نظامنا الدولي، سنجد مفارقة كبرى تضعنا أمام مرآة الحقيقة الصادمة، فالاتحاد الأوروبي صاحب القارة العجوز يضم تكتلا لأكثر من 450 مليون نسمة، يتحدثون 24 لغة رسمية وعشرات اللهجات واللغات المحلية، وينتمون إلى عشرات المذاهب والقوميات التي تصارعت دمويا لقرون، وسقط بسببها في حربين عالميتين فقط؛ ما يزيد عن 100 مليون قتيل، مع دمار مدن وأوطان بالكامل. هذا مع فقر دول الإتحاد الأوروبي في الثروات الطبيعية مقارنة بغيرها وبالأخص بعالمنا العربي وأمتنا الإسلامية، إلا أنها صهرت جراحها وخلافاتها في بوتقة المصلحة لتنتج اليوم ناتجا محليا سنويا يتجاوز 17 تريليون دولار (17 ألف مليار دولار).. أمّا الولايات المتحدة الأمريكية ففسيفساءٌ بشرية تضم 340 مليون نسمة، ومئات الأعراق واللغات، لكنها منصهرة تحت هوية واحدة ولغة واحدة، وهي تقود العالم بناتج محلي سنوي يتخطى 25 تريليون دولار (25 ألف مليار دولار).. أما الصين العملاق الذي كان نائما، فهو قارة بشرية تقارب مليارا ونصف مليار نسمة، تضم 56 عرقية رسمية ومئات اللهجات، ورغم شح الموارد الطبيعية للفرد الواحد، إلا أن الكتلة الجامعة حوّلتها إلى معمل العالم وقوته القطبية الاقتصادية الصاعدة.. ومثل ذلك الهند؛ ما يقارب مليارا ونصف مليار نسمة، من عدة أعراق ومشارب، مع ما يزيد عن 6 آلاف ديانة ومعتقد محلي، ومع فقر مدقع لبعض الأقاليم، لكنها تجمع اختلافاتها لتقدِّم نفسها كأمة تواجه القوى العالمية الكبرى، وكقوة نووية تقف في مواجهة ردعية للقوى الإقليمية المتنافسة.

المفارقة الصادمة هي نحن في أمتنا الصغرى العربية، فضلا عن أمتنا الكبرى الإسلامية؛ فهؤلاء الأغيار الذين تفرِّقهم اللغة والعقيدة، وتاريخ الحروب المرير، توحَّدوا من أجل المصلحة والقوة، بينما نحن الذين نملك كل مقومات الأمة القطب نتمسك بحدود لم نصنعها، ولا استُشرنا فيها، ولا وافقنا عليها، لكننا نقدِّسها وكأنها نصوصٌ منزلة! ونحن نقف على إمكانات هائلة من الثروات الطبيعية والامتيازات الجيوسياسية والحضارية لا تحوزها أمة من الأمم.. أمتنا الصغرى العربية تضم كتلة بشرية تتجاوز 450 مليون نسمة، ضمن أمتنا الكبرى التي تقارب الملياري مسلم، هي من أكثر شعوب الأرض شبابا وحيوية.. وهي بوحدة ثقافية وعقدية، تملك لغة واحدة هي الأقوى تاريخيا في صهر الهويات، ودين واحد يجمع الغالبية الساحقة في منظومة قيمية موحدة، وعادات وتقاليد تكاد تتماهى إلى حد التطابق، وتاريخ حافل يمتد لآلاف السنين. إضافة إلى جغرافيا وثروات، وسيطرة على أهم مضائق العالم (السويس، باب المندب، هرمز، جبل طارق)، وتمتلك نصف احتياطي النفط العالمي و40% من الغاز، مع تنوع مناخي ومساحات زراعية هائلة (كالسودان والعراق والجزائر) قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي للعالم أجمع وليس لأمتنا فحسب.

إن هزال الأوطان يبدأ من هذا الوهم؛ وهم القدرة على النجاة فرادى في غابة لا تحترم إلا الكتل الكبرى، فالوطنية الحقيقية هي وطنية وظيفية؛ تبني الداخل بإتقان، لكنها تدرك تماما أن الوطن الصغير يحتاج إلى الأمة الكبيرة كسند ودرع حماية.

نكسات ودروس

​إذا كان منطق الكبار يفرض الكتلة والحجم كشرط للسيادة، فلماذا اخترنا نحن التشظي والتفتت كقدر محتوم؟ إن السر يكمن في هندسة الحدود الذهنية الوهمية التي سبقت رسم الحدود الجغرافية الرسمية؛ إذ اشتغلت آلاتٌ الإعلام ومناهج التعليم لعقود على ترسيخ “وطنية انكفائية” خائفة، تُقدِّس ما رسمه المستعمِر وتعتبره نهاية العالم وحصن النجاة الوحيد. لقد أُقنِع المواطن بأن سلامة “قطره” تكمن في النأي بنفسه عن العدوان على جاره، فغُيِّبت “الأمة” كفضاء استراتيجي لتُحصَر الهوية في شعارات ضيقة، فنشأت أجيالٌ ترى في حدود بلادها سياجا يحميها، بينما الحقيقة أنها أصبحت قضبانا يسهّل على القوى الكبرى الاستفراد بكل واحد منا خلفها.

​لقد تجلى هذا الهزال في سلسلة من النكسات الوجودية التي كانت تُدبَّر بليل، بينما كنا غارقين في أوهام النأي بالنفس عن فزعة الأخ ونصرة الجار، فبدأ الانهيار بغزو العراق الذي كان كسرًا لعمود الخيمة العربي، وفتحا لأبواب التدخلات الخارجية، ثم تمدد الوجع ليقسم السودان إلى سودانيين، ويجعل الصومال نهبا للتمزيق والانهيار، ويصل باليمن إلى إفشال الدولة على أيدي الأشقاء، ويُحوِّل ليبيا إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية، ويزيد بإقحام الأمة في فخ الاستقطابات الحادة عبر توظيف العداء مع إيران، الدولة المسلمة والجار الجيواستراتيجي، لتمرير أجندات أمريكية إسرائيلية في سياق الحروب الحضارية، تحت غطاء النزعة المذهبية ضمن الدين الواحد. هذا الاستقطاب لم يستنزف موارد الأمة فحسب، بل جعل دول الخليج العربي تدفع أثمانا باهظة من استقرارها وميزانياتها التي تبخَّرت في صفقات سلاح فلكية، وتدمير مهول في هذه الحرب التي تُدفع إليها دفعا، بدلا من أن تكون إمكاناتها الهائلة لصالح بناء كتلة اقتصادية مهابة تحمي الجميع من الابتزاز الدولي.

​ووصل الهوان إلى قاع السقوط في اختبار غزّة؛ إذ كشفت هذه الحرب أن “الوطنية بلا أمة” هي مجرد عجز مُمأسس، لعبت فيه المؤسسات الوطنية دور الحارس والراعي للعجز، والمانع للانتباه والمبادرة. فبينما تكتل “الأغيار” ككتلة حضارية صلبة واحدة وراء الرواية الصهيونية، انزوت الوطنيات العربية خلف جدران المصلحة القُطرية أولا، وصُمَّت الآذان عن صراخ الشقيق الفلسطيني الذي يتعرض لأبشع حرب إبادة في التاريخ المعاصر بحصيلة تجاوزت أزيد من 80 ألف شهيد ومفقود، وما يقارب 200 ألف مصاب، وتدمير طال 70% من غزة بمتفجرات تعادل أربع قنابل ذرية.

​ولم يتوقف هذا الهزال عند حدود العجز الرسمي، بل تجاوزه إلى خيانة الوعي التي قادتها تياراتٌ فكرية داخل الأمة، من علمانية معادية لكل بُعد حضاري عربي وإسلامي، إلى مشيخات “المداخلة”؛ الذين لم يكتفوا بالخذلان، بل سارعوا إلى طعن الضحية في ظهرها، والتشكيك في شرعية جهاد الغزّيين وبطولاتهم، والوقوف بموقف الشامت والمتشفي بما يتعرّض له إخواننا من جوع وقهر وإبادة، تحت لافتات “طاعة ولي الأمر” الموهومة أو “تجنب الفتنة” المزعومة، بل وبلغ السفهُ إلى تجريم استعانة حماس السنية بحزب الله الشيعي، وإلى الامتعاض من العلاقات الطيبة للجزائر السنية بإيران الشيعية.

إن هذا السقوط السياسي، والأخلاقي، والفكري هو الثمرة المرّة لتمزيق الأمة واستلاب هويتها، لتُثبت الأيام أن قوة أي عاصمة لا تبدأ من حدودها، بل من نبض الأمة الذي أضعفه الوعي، ومزَّقه الاستقطاب، وخدَّره التديُّن المغشوش، وأفسده التجنيدُ السياسي الواهم.

لم يتوقف هذا الهزال عند حدود العجز الرسمي، بل تجاوزه إلى خيانة الوعي التي قادتها تياراتٌ فكرية داخل الأمة، من علمانية معادية لكل بُعد حضاري عربي وإسلامي، إلى مشيخات “المداخلة”؛ الذين لم يكتفوا بالخذلان، بل سارعوا إلى طعن الضحية في ظهرها، والتشكيك في شرعية جهاد الغزّيين وبطولاتهم، والوقوف بموقف الشامت والمتشفي بما يتعرّض له إخواننا من جوع وقهر وإبادة، تحت لافتات “طاعة ولي الأمر” الموهومة أو “تجنب الفتنة” المزعومة.

مقالات ذات صلة