هستيريا عربيّة
العالم العربي على صفيحة من النار، ويعيش نوعا من الهستيريا السياسية والعسكرية التي تمثل خوف الشارع من فشل المساعي التي تحرك من أجلها زلزال التغيير داخل المجتمعات.
ولقد وصلت هستيريا الخوف من فشل هذه المساعي إلى غاية الدول الأكثر أمناً في العالم العربي، قد يحصل معنا في العديد من الأحيان أن لا نوفق في الحصول على الصورة المثالية المنشودة، وذلك لأننا نخشى من عدم النجاح في هذا المسعى في ظل التداعيات التي تطرأ على العالم العربي، وبالتالي ينتشر هذا الخوف ويتغلغل داخل المجتمع بأسره. ولذلك علينا أن ندرك بأن الفشل هو جزء من عملية التعلم التي سوف نتلقاها. إن تشاؤمنا من هذا الفشل ورعبنا منه سيضاعف من احتمال اقتراب الفشل منا، لأن هذا الخوف الدائم يقرض شجاعتنا، ويزعزع ثقتنا بأنفسنا، ويجعلنا أقل قدرة على تحمل الظروف الصعبة التي سوف تسيطر علينا إذا لم نحاول تجاوز ذلك في أقرب فرصة ممكنة.
إذن، علينا أن نبتعد عن الهستيريا التي تمثل الخوف السياسي، ونواظب على جهودنا فحسب.
ويبقى الاستفهام قائماً: ألم يأت التغيير ليعالج الجراح؟ أمن الممكن أن يمزق كل تكتل موجود داخل الأمة؟ هل يمكن أن تتحول نسمات التغيير إلى أعاصير الاحتقان؟ أليس من الممكن تحريك آليات الإصلاح بطريقة سياسية تقوم على أسس الحوار؟ عوض أدوات العنف والفوضى التي أسالت الدماء، ونثرت الأشلاء في كل مكان، وكسرت جماجم الأبرياء فوق رؤوسهم؟
لا نريد بحرا من الدم، ولا جسرا من الضحايا، لكي تقام الحرية المطلوبة، بل نريدها بصناديق الاقتراع، وطاولات الحوار، يكفي ما يحصل من اضطرابات، التي حملت في طياتها بوادر اليأس والفشل، لتتجه الأوضاع إلى صراعات دامية، وهذا ما يفسر عدم تحقيقنا بعد الإصلاح المرجو، وهذا بضبط ما أثر سلباً على مجتمعاتنا العربية، وجعلنا نعيد النظر بأن هناك حاجة إلى قدر أكبر من التوازن.
لقد أصبح من الضروري أخذ كل ما هو مناسب من التغيرات الواردة، لأنها الطريقة التي تتفاعل مع معطياتها وأحداثها. وعلى هذا الأساس، لا بد لحل القضايا العربية الشائكة، ومحاولة القيام بأعمال الإصلاح والتغيير التي قام على أساسها الربيع العربي. بل أصبح من الضروري أكثر، تركيز كل المساعي للوصل إلى أهداف أعظم لمستوى متطلبات الشعوب العربية، ومن ثمة تفحص الأداء، ووضع خطط جديدة تعتمد على تغيرات الأوضاع الراهنة، وبالرغم أن تحقيق هذا الأمر يتطلب وقتا طويل الأمد، قد يستغرق سنوات، لكن لا بد من تحديد نقاط التحكم، إن هذا ما نسميه تحويلا حقيقيا للاضطرابات، ليصبح حقا ربيعا عربيا، ليس خريفا صعبا تعيشه الأمة العربية.
إنها النتيجة الحتمية التي تقول: لا يمكن هدر الجهود في الأشياء الخارجة عن حدود السيطرة، إنها ليست اختيارية، ولا إجبارية، إنها بكل بساطة عملية تحول يجب أن تمر بها الأمة من الوضعية الحالية إلى ما تريد أن تكون.
* مؤلف وكاتب صحفي