الرأي

هشاشة التعليم وتعليم الهشاشة

عمار يزلي
  • 305
  • 0

عالميا، بدأت الألسنة تصدح بما يسمى “هشاشة التعليم”، بسبب “التعليم الهش”، الذي نتج عن التغيرات في المنظومة التربوية في العالم بشكل عامّ: تراجع في شكل ونمط التربية والتعليم، عودة عن بعض المبررات السابقة في ما سُمي إصلاحات تعليمية وتربوية، من تقليص في البرامج، وتغيير في الأساليب، ونزوع نحو التجريب، وتفكيك لبعض العقد التعليمية، وتسريع في التحصيل التقني التطبيقي على حساب التحصيل النظري وما شابه من الإجراءات غير المسبوقة.

يحصل هذا تباعا وفي كل العواصم ولو بأشكال مختلفة ومتفاوتة. الحركة السريعة للتغير الاجتماعي في العالم وما رافقها من تحول فكري وثقافي وصناعي، يدفع نحو مواكبة هذه السرعة بسرعة متوازية في هذا الصدد.

بعض الدول ذات المستوى التعليمي الجيد سابقا في أوروبا وغير أوروبا، بدأت في إعادة النظر في كثير من المسلمات التي أدخلت إلى المنظومة التعليمية خلال الجيلين الماضيين: بدأت التخفيف من حمل وأعباء التلميذ المنزلية لصالح مداومات مدرسية، إذ لا يكون التلميذ مضطرا إلى المراجعة وتحضير الواجبات في المنزل، بل كل ما يحضِّره للغد، يحضَّر في المدرسة. ليس هذا من أجل تخفيف العبء عن التلميذ فقط، بل أيضا من أجل مراقبة شكل التحصيل المدرسي أمام أعين المكونين، ودفعهم نحو الاعتماد على النفس وبوسائل بيداغوجية غير متوفرة في البيت، ومتوفرة فقط في قاعة الدرس أمام المكون والمعلم وأمام الأدوات البيداغوجية التعليمة وخاصة التطبيقية منها. الهدف، دفع التلميذ نحو الإبداع والتفكير مع تقليص زمن الواجبات المنزلية، التي بدت لا فائدة منها ما دامت غير خاضعة للمراقبة وأيضا للتطبيق. هذا ما تراه بعض المؤسسات التعليمية في كثير من الدول الغربية. موازاة مع ذلك، بدأ النزوع لدى البعض نحو العودة إلى الحفظ: فالحفظ يحافظ على آلية التفكير ويدفع نحو الإبداع: الطفل كجهاز كمبيوتر، تقوم ببرمجته عبر التحفيظ، ليصبح قابلا لإعادة ما حفظه، ولكن أيضا، ما فهمه وما استنبطه لغويا وتطبيقيا. الذاكرة تنشط عبر الحفظ، وتموت مع النزوع نحو التجريب الآني من دون مكتسبات تعليمية محفوظة، يبدو نزوعا نحو العودة إلى التعليم التقليدي، لكن بمنهج معاصر، يجمع الاثنين معا.

انتشار العقول الإلكترونية والذكاء الاصطناعي اليوم، يُنذر بموت الذاكرة الفردية والجماعية: النسيان هو الظاهرة الأكثر انتشارا في العالم بسبب ضخامة المعلومات التي نتلقاها ومنذ الصغر: إنها أشبه بقصف مكثف للذاكرة ومن دون انقطاع، مما يمنع التفكير خارج القفص الذي وُضعنا فيه صغارا وكبارا. كل هذا المتغيرات تبدو نتيجة للتحولات الرقمية، لكنها أعمق من ذلك، إنها تحولات تمس صميم التكوين البيولوجي أيضا. هذه التحولات تعيد هندسة خلايانا الفكرية والعقلية وباقي الخلايا الجسدية، إنها تؤثر على منظومتنا الإنسانية بشكل عامّ، ولا أحد يمكنه أن يتنبأ بما قد يكون عليه شكل الإنسان بيولوجيًّا بعد زمن طال أو قصُر.

التوجُّه نحو مادية العالم المادي، من شأنه أن يجعل كل أشكال التكوين توطئة وتهيئة لهذا الإنسان القادم: الإنسان الرقمي، الإنسان الآلي ولو بجسد بشري.

من هنا، يبقى التعليم بحاجة إلى ركائز ثقافية هوياتية تعمل على ربط الفرد بعالمه الكبير ومحيطه الصغير وتمنعه من الاستلاب المفرغ والفارغ. العالم بحاجة إلى إنسانية أكبر، في وقت نشهد فيها ذوبان هذه الإنسانية في الإنسان المادي خلال جيلي ما بعد الحرب العالمية الثانية. نحن نشهد ميلاد أجيال جديدة قد لا تعرف معنى العلاقات الإنسانية بشكل عامّ، لا تعرف معنى الحب والرأفة، ولا معنى الشفقة والإيثار. هذه المفردات المهدَّدة بالانقراض.

مقالات ذات صلة