هكذا تستعيدين توازنك النفسي بعد الطلاق؟!
كان طلاقها زلزالا هدم حياتها خاصة مع وجود أربعة من الأبناء في حضانتها، ووفاة والديها منذ مدة قريبة جعلها تشعر أنها وحدها فعلاً بهذه المسؤوليات، فقد اضطرت للخروج إلى العمل للإنفاق عليهم، وانقلبت حياتها رأساً على عقب.
هذا حال الكثير من المطلقات في بداية فترة الطلاق، والتي قد تطول بمشاكلها وآثارها النفسية والاجتماعية إذا لم تتدارك التوازن سريعاً.
تجارب مؤلمة
تواصلت جواهر الشروق مع بعض المطلقات لتناول مشكلاتهن فتقول سارة 26 عاماً من الأردن: “تم طلاقي بعد معاناة شديدة، حيث زوجني أبي لأنه ابن فلان الرجل الصالح التقي، ونسي أن رجل صالح قد ينجب شاب متدين ظاهرياً فقط، بدأت حياتي من جديد بعد الطلاق أعطي ابني كل الحب والحنان لكن بحزم في التربية، رفضت أن أكون عالة على أهلي فبدأت أعمل في شركة أبي براتب معقول، جريحة لكنني سأطيب يوماً بإذن الله تعالى”.
أما نيرمين 33 عاماً من مصر فلم تكن أفضل حالاً من سارة حيث تقول: “تم طلاقي بتخطيط من والدة زوجي، وقد تزوج بالفعل، أشعر أحياناً باني لا لزوم في وجودي في الحياة، فأنا لا أنجب وقد فضحتني حماتي ولن ينظر لي رجل، لا أستطيع مواصلة الحياة بدون زوجي الذي أحببته، بدأت علاجاً نفسياً للخروج من أزمة مررت بها، حيث كان عقلي يرفض هجران زوجي لي، فكنت أعيش كأنه معي أحادثه واشعر به، أحاول استعادة نفسي مجدداً لكني لا أستطيع، أهنت كرامتي عندما عرضت عليه أن أكون زوجة ثانية بقربه لكن والدته رفضت، المرأة القوية هي التي تستطيع نسيان من جرحها، لكنني اضعف ما أكون”.
لكن نسيمة 38 عاماً من الجزائر تختلف معها بعض الشيء حيث تقول: “أي امرأة طلقت تشعر بالإرهاق النفسي، لكن رجل باعني لا يستحق أن أحزن لأجله، أنا كنت قوية أمام زوجي وأمام الناس، تعافيت سريعاً وفتحت باب الزواج، ولم افعل مثل أهلي فسألت على من تقدم لخطبتي جيداً، والحمد لله سعيدة الآن رغم ان الذكريات الأليمة لا تفارقني، أنا قوية وسأظل قوية، ولن اسمح لرجل أناني أن يدمر حياتي، بل اثبت له ولأهله جميعاً إنني امرأة تستطيع أن تبنى حياتها رغم أي شيء”.
وتتفق معها نهال 46 عاماً من البحرين: “انفصلت عن زوجي وإنا في بداية العشرينات من العمر، ربيت بناتي وزوجتهن وأصبحت وحيدة في البيت، أحن لقلب رجل حنون يحتويني، لكن ارفض أن يكون ذلك على حساب سعادة زوجة أولى، فلن أكون زوجة ثانية وطبعا هذا يقلل فرص زواجي، أعمل طبيبة في ورديتين صباحية ومسائية حتى انسي آلامي، وأيام العطلات اعمل في بعض الجمعيات الخيرية كمتطوعة، وكثيراً ما تأتى لي زوجه طليقي تشكو لي همومها ومتاعبها معه، فأخفف عنها رغم ألمي”.
التوازن النفسي
حملنا هذه الهموم للدكتورة إيمان البربري أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة والتي تقول: ” كثيراً ما تتظاهر المرأة بعد الطلاق بأنها قوية وسعيدة بخرج زوجها من حياتها، وأنها تشعر بتحسن بالفكاك منه، بل وتحاول التهرب من احتياجاتها العاطفية الطبيعية وأحياناً حتى احتياجاتها الجنسية، من خلال الاهتمام بمن حولها لتحصل منهم أيضاً على الاهتمام وتملأ الفراغ في حياتها، وبعضهن تلجأ للعزلة النهائية عن المجتمع خوفاً من نظرة الناس إليها، بل وتجهد ذاتها في العمل طوال اليوم حتى تتناسى أوجاعها وتخرج هذه العواطف المكبوتة، ولا تجد غير أبنائها لتحتويهم بهذا الحب والتوازن النفسي للمرأة المطلقة يمكن أن يتم في حال وقوع الطلاق برغبتها وبكامل إرادتها، وفي حال انخراطها في الأعمال المجتمعية ومواصلة علاقاتها بشكل طبيعي مع أبنائها وأسرتها وكل من حولها، وذلك للتخلص مع الشعور بخيبة الأمل والفشل والإحباط، والخوف مما هو قادم في المستقبل.
وللأسف فإن لدينا الكثير من المطلقات سنهن لم يتجاوز الخامسة والعشرين ويواجهن نظرة المجتمع والشباب إليها بأنه قد سبق لها الزواج فتصبح مرفوضة بسبب الفشل بالزواج السابق ولا ينظرون إلى الأسباب فقد تكون مظلومة بالطلاق وأسبابه، كذلك إذا كان لديها أطفال قد تحرم منهم عند زواجها مرة أخرى من قبل طليقها وأهله، في حين أن أهلها سوف يضغطون عليها لتتزوج مرة أخرى حتى لا تبقى من بعدهم، وهنا يبدأ الصراع.
التعامل مع الطليق بالود
ويتفق معها د. نور الإسلام نذير أستاذ علم النفس بجامعة الجزائر قائلا: “لا يمكن للمطلقة ولا لغيرها من النساء الوصول للشعور بالاستغناء الكامل عن الآخرين ممن حولها، كما أنه من الطبيعي شعورها بعد الطلاق بحالة من الضعف، والشعور بالضعف يزيد من الحساسية والمبالغة في ردود الفعل من الآخرين حولها، لكن يجب أن يتأصل في ذات المطلقة أن مصدر الحب الثابت للبشر هو من الله عز وجل الذي يسخر لنا البشر من حولنا ليمدنا بالحب، وهنا فعلى المطلقة عند شعورها بالخوف والحاجة للدعم والحب والعون أن تتقرب إليه جل وعلا، مع التصدق تقرباً إليه فهذا يساعد على انشراح الصدر، فقد قال تعالى “لكي لا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم” والطلاق مثله كمثل أحداث ومصائب الحياة يحتاج لقوة الإيمان وبعض الوقت للتأقلم على الحياة، وهنا فيجب ألا تتوقف الحياة، وألا يكون الطليق محورها، فلن تكون المطلقة وحيدة طالما هي قريبة من الله تعالى.
ولا مانع على المطلقة التي أخذت بنفسها قرار الطلاق حال شعورها بالوحدة والندم أن تتقرب لطليقها بالود والإحسان، فالله عز وجل حبب المراجعة بين الزوجين مهما كانت طبيعة الخلافات في قوله تعالى: “وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” سورة البقرة” على أن يتم الإصلاح في ما كان السبب في الطلاق ووضع شروط قوية لاستكمال الحياة، وإن لم ينجح العودة فعلى المرأة ألا تصب اللوم على نفسها فهذا من شأنه يضعها تحت ضغط نفسي أشد”.
ويستكمل قائلاً: “وحتى تتجاوز المطلقة آلامها النفسية ليست بحاجة طبيب نفسي إذا كانت الأعراض طبيعية لكنها يجب أن تستعيد توازنها سريعاً وتصر على بدء حياة جديدة، فالطلاق ليس نهاية عالمها، فالفشل في تجربة حياتية لا يعني إلزامية الفشل دائماً، فيجب عليها أن تسعى للنجاح وتحقيق الذات، كما يجب أن تستغل هذه الرحلة من حياتها في بناء صداقات حقيقية والتي لها دوراً أساسيا وهاما لخروج المرأة من حالة اليأس والاكتئاب، وممارسة الرياضة أيضاً لها دور كبير في التخلص من الشحنات السلبية بداخل المطلقة، ويحميها من الاكتئاب ويعمل على تحسين المزاج والحالة النفسية وهذا ما أثبتته الأبحاث الطبية، والذي يعود نتيجة لإفراز هرمون الإندروفين الذي يفرز عند بذل المجهود البدني، ويعمل على تحسين الحالة المزاجية”.