الرأي

هكذا تسعد بزواجك

سلطان بركاني
  • 829
  • 0

لعلّ جميعنا يلحظ أنّ أعراسنا في السنوات الأخيرة فقدت طعمها الذي كان يميّزها في سنوات مضت، لأنّها –مع كلّ أسف- أصبحت مواسم تطغى فيها المظاهر والماديات، ويفشو فيها الرياء والمباهاة، ويحتدم فيها التّنافس على الموضة وعلى الألبسة التي ما عاد يصحّ أن تسمّى ألبسة، وعلى الأغاني التي سجّل كثير منها في الملاهي وعلب اللّيل، فضلا عن الإسراف والتبذير وإنفاق الأموال الطائلة على البهارج التي لا طائل ولا فائدة منها في بناء الأسرة المسلمة وفي إسعاد الزّوجين، بل إنّ كثيرا منها تمحق بركة الزّواج وربّما تكون سببا في تهدّم بنيان الأسرة.

السّبب في كلّ ما سبق أنّنا –إلا من رحم الله منّا- نسينا أنّ الزّواج ليس مشروعا دنيويا نطلب به مصلحة دنيانا فحسب، إنّما هو مشروع دينيّ نطلب به صلاح الدّنيا والآخرة، وهو طاعة من أعظم الطّاعات وقربة من أجلّ القربات.. لقد أنسانا الشّيطان أنّ الزّواج هو نصف الدّين، وأنّه متى ما التزم فيه العبد المسلم شرع الله وراعى أخلاق الإسلام وآدابه، فإنّه يكون قد أتمّ شطر دينه. يقول النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم-: “إذا تزوج العبد فقد أكمل نصف الدين، فليتق الله في النصف الآخر”.

بالنية الصّالحة يُتمّم نصف الدّين

بالزّواج الإسلاميّ الصّحيح يكتمل نصف الدّين، لأنّ الزّوج يلتزم آداب الإسلام ويسأل عن الحلال والحرام في كلّ خطوة يخطوها، فيوقع الخطبة والعقد وفق الشّرع، ويلتزم حدود الله مع المرأة قبل الخطبة وأثناءها وقبل العقد وأثناءه وبعده، وفي موكب عرسه وسهرته، ثمّ إذا تمّ الزّفاف فإنّه يعيش حياته مع زوجته محتسبا الأجر في كلّ عمل؛ إذا وضع اللقمة في فم زوجته فله بها صدقة، وإذا خرج يسعى للإنفاق على أهله فله به عظيم الأجر، وإذا رزقه الله الذرية وتعب في تربيتها لتكون ذرية صالحة، فكل عبادة وكلّ عمل صالح تعمله ذريته فهو في ميزان حسناته.

مشكلة كثير من شبابنا الأساسية مع الزّواج أنّهم ينسون هذه الحقيقة، وينسون أنّهم في أمسّ الحاجة إلى الاهتمام بما يرضي الله في كلّ خطوة يخطونها على طريق بناء الأسرة، من لحظة التّفكير في هذا المشروع إلى حين التقاء الزّوجين أحدهما بالآخر.

ينبغي للشابّ المسلم إذا فكّر في الزّواج أن يخلص النية لله في طاعته وامتثال هدي نبيه عليه الصّلاة والسّلام، ويستحضر نية بناء أسرة مسلمة وتنشئة ذرية صالحة، تجتمع على طاعة الله، وتستمر عشرتها في الجنّة دار السّلام.. يقول الله تعالى: ((جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)).. ويقول سبحانه: ((وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِين)).

الشّيطان يعدكم الفقر!

ثمّ ينبغي للشابّ المسلم أن يتنبّه إلى نزغات الشّيطان الذي يريد لكلّ شابّ مسلم أن يبقى أسيرا في عالم العزوبية ويقصر تفكيره على الحرام ولا يفكّر في الحلال، لذلك يعده الفقر ويخوّفه التّكاليف الصّعبة والباهظة، تماما كما قال الله: ((الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)).. يستحضر الشابّ أنّه يريد إتمام نصف دينه وإعفاف نفسه ويتذكّر قول مولاه الحنّان المنّان سبحانه: ((وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ))، وقول حبيبه المصطفى عليه الصّلاة والسّلام: “على الله عون من نكح التماس العفاف عمّا حرّم الله”، ويملأ قلبه باليقين بأنّ الزّواج الصّالح من أعظم أسباب تفتّح الأبواب وتيسير الأمور وسعة الرّزق، يقول أبو بكر الصدّيق -رضي الـله عنه-: “أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح، ينجز لكم ما وعدكم من الغنا”.

فاظفر بذات الدّين

إذا ملأ الشابّ قلبه باليقين، فإنّه ينبغي له بعد ذلك أن يبدأ بحثه عن المرأة الصّالحة التي يتمّ معها نصف دينه ويعيش معها ما بقي من عمره في كنف طاعة الله، ويتمّ حياته معها بعد الموت في الجنّة بإذن الله، يهتمّ بالمواصفات الأخرى في المرأة، لكنّ همّه الأوّل والأكبر متعلّق بالدّين، امتثالا لوصية الحبيب المصطفى -عليه الصّلاة والسّلام- الذي قال: “تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأربع: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك”، وقال: “ليتّخذْ أحدكم قلبا شاكرا، ولسانا ذاكر، وزوجة مؤمنة تعينه على أمر الآخرة”، وقال -عليه الصّلاة والسّلام-: “الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة”.

الشابّ المسلم الذي يقدُر الزّواج حقّ قدره، ويقدّر مسؤوليته وتبعاته في الدّنيا والآخرة، لا يتهاون ولا يتساهل أبدا في أمر الدّين، ولا يقبل أبدا بأن يتزوّج امرأة لا تصلّي أو ترفض لبس الحجاب، ولا يقبل أن يتزوّج فتاة لا يمثّل الدّين بالنّسبة إليها شيئا ولا تراعي حرمة ولا حراما.. إنّه لأمر مؤسف حقا أن يصبح الدّين في آخر اهتمامات كثير من شبابنا المقبلين على الزّواج، ممّن يفكّر الواحد منهم في المرأة الموظّفة وصاحبة الجمال وينسى الدّين.. يغترّ بالمظاهر ويأسره التصنّع الذي تبديه كثير من الفتيات المستهترات على مواقع التواصل الاجتماعي، فينسى الدّين، ويتزوّج بعينه وليس بعقله، فلا تمرّ سوى أيام أو أسابيع أو أشهر قليلة بعد الزّواج، حتى تتساقط الأقنعة وتذوب الأصبغة وتظهر الحقائق، ويندم ساعة لا ينفع النّدم.

.. وصاحبة الخلق

الشابّ المسلم الذي يرجو صلاح دنياه وأخراه، لا يتهاون في أمر الدّين أبدا، ولا يتهاون -أيضا- في أمر الخُلق، فيطلب امرأة حييَّة متواضعة قنوعة ترضى باليسير، ليست بالجريئة ولا الصفيقة ولا سليطة اللّسان، ولا بالتي تكفر العشير وتنظر إلى النّقائص وتنسى المحاسن، ولا بالأنانية التي لا يهمّها إلا أن تحقّق مصلحتها وتنال بغيتها وتقلّد صديقاتها وزميلاتها وجاراتها.. ولا بالحقودة التي تحبّ الانتقام لنفسها، يقول النبيّ عليه الصّلاة والسّلام: “ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة: الودود، الولود، الغيور على زوجها، التي إذا آذت أو أوذيت جاءت حتى تأخذ بيد زوجها ثم تقول: والله لا أذوق غمضا حتى ترضى عني، هي في الجنة، هي في الجنة، هي في الجنة”.. الشابّ المسلم لا تغرّه العبارات التي تكتب على صفحات الفايسبوك، وإنّما يبحث ويسأل عن حال المرأة التي يريد خطبتها وعن معاملتها لوالديها وإخوتها وللنّاس من حولها، فمحال أن تحسن عشرة زوجها من تؤذي والديها وإخوتها، وتعامل صديقاتها بسيّء الأخلاق.

الصّالحات للصّالحين

الشابّ المسلم يبحث عن صاحبة الخلق والدّين، لكنّه لا ينسى أنّه أيضا ينبغي أن يكون صاحب خلق ودين، فيتهيّأ للزّواج بإصلاح نفسه وتنظيم حياته وتزكية أخلاقه وطباعه، قبل أن يتهيّأ للزّواج بإعداد المنزل وتأثيثه.. بعض شبابنا في هذا الزّمان يقولون بألسنتهم إنّهم يهتمّون بالبحث عن المرأة الصّالحة، لكنّهم لا ينظرون في أحوالهم ولا يهتمّون بإصلاح أنفسهم؛ تجد الواحد منهم يتهاون في صلاته ولا يقرأ القرآن، وينقض العهود ويخلف الوعود، ويعقّ والديه، وربّما يأكل الحرام، فإذا نوى الزّواج قال إنّه بحث عن الفتاة الصّالحة فلم يجد! يريد امرأة تقتفي أثر فاطمة -رضي الله عـنها-، لكنّه ينسى أنّه ينبغي له قبل ذلك أن يقتفي أثر علي بن أبي طالب -رضـي الله عنه-!

مقالات ذات صلة