-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
سنواته الـ 74 لم تمنعه من خوض المغامرة

هكذا سافر “كريمو” من العاصمة إلى جانت على قدميه

عبد القادر بوشريف
  • 1341
  • 0
هكذا سافر “كريمو” من العاصمة إلى جانت على قدميه
ح.م

يكون عمي عبد الكريم، البالغ من العمر 74 سنة، على مقربة من تحقيق حلمه، الذي لم يعد يفصله عنه سوى 24 يوما، بعدما انطلق في 10 أكتوبر الماضي في رحلة طويلة، سيرا على الأقدام، من الجزائر العاصمة، إلى أقصى الجنوب بالصحراء الجزائرية، وتحديدا إلى مدينة جانت الساحرة. ويكون بذلك قد رسم الضلع الأخير من المثلث الذي بدأ برسمه منذ سنوات طويلة، كان آخرها سنة 2019، حين رسم الضلع الثاني الرابط بين الجزائر العاصمة ومنطقة تمنراست، وقبله بسنتين الضلع الأول على الخط الرابط بين تمنراسنت وجانت، ويكون حاليا يرسم الضلع الثالث والأخير بين الجزائر العاصمة وجانت، قاطعا بذلك مسافة إجمالية سيرا على الأقدام تصل إلى حدود 5000 كلم.

البداية كانت قبل ربع قرن
عبد الكريم علي كتاني، ابن باب الوادي بالجزائر العاصمة، يكون أول أمس 10 ديسمبر، قد أكمل شهرين كاملين من عمر “رحلة طويلة”، انطلقت من باب الوادي صوب مدينة جانت بأقصى الصحراء الجزائرية الكبرى، على أن ينهي رحلته بعد 3 أشهر كاملة، بأيامها ولياليها وساعاتها وأحداثها.
المدهش في هذه الرحلة “الطويلة”، هو المسافة التي سيقطعها التي تستلزم من “كريمو” كما يفضّل أصدقاؤه مناداته، المرور عبر العديد من الولايات، إلى أن يصل لتحقيق حلمه الذي راوده منذ سنوات طويلة، وقطع آلاف الكيلومترات التي لم يبق منها لحد كتابة هذه الأسطر إلا أقل من 650 كلم، بعدما تمكّن من تجاوز منطقة حاسي مسعود قادما من الجزائر العاصمة في طريقه إلى ولاية جانت، حيث الغابات الصخرية وقصة ميلاد الإنسان، وتلك المنحوتات التي تتحدث عن التغيرات الطبيعية وهجرة الحيوانات، وتلك الرموز الإنسانية التي تعود إلى ما قبل التاريخ الميلادي بما يزيد عن 10 آلاف سنة.
المدهش فوق كل هذا أيضا، هو ذلك “التحدّي” الكبير في خوض مغامرة فريدة من نوعها، بل ومثيرة أيضا، تكمن في كون المغامر كتاني قرر قطع المسافة سيرا على الأقدام، رافعا بذلك تحدّيا كبيرا من أجل تحقيق الحلم الذي راوده منذ أن اختار عالم “الرحلات الطويلة”، وهي الرحلات التي بدأها فعليا وعمليا عندما بلغ من العمر 50 عاما، كانت آخرها تلك الرحلة الطويلة التي قطعها كريمو برفقة صديقه مولود من الجزائر العاصمة إلى ولاية تمنراست.
ولأن الأمر يتجاوز الخيال ويبعث على الدهشة، انفردت “الشروق” بالمتابعة عن كثب، متحدثة إلى عاشق الصحراء الجزائرية، كلما أخذ قسطا من الراحة وهو في طريقه إلى تحقيق حلمه.

كل شيء يهون في سبيل الرحلة
عمي عبد الكريم، الذي ترك كل شيء خلفه من أجل هذا الحدث التاريخي، الذي فضّل في بداية الأمر أن يبقى حدثا شخصيا بعيدا عن أي تداول إعلامي، قبل أن تتمكّن “الشروق” من إقناعه والحصول بذلك على حصرية نقل تفاصيل هذه الرحلة الطويلة سيرا على الأقدام. يقول عبد الكريم كتاني، إن شغفه بالصحراء الجزائرية كان مع بداية السبعينيات من القرن الماضي، وتحديدا سنة 1970، لم يكن قد تجاوز حينها سن العشرين، عندما التحق بطاقم الوكالة الوطنية للسياحة، أو بعدما استجاب القدر لدعوات والدته، التي رفضت، رفضا قاطعا، خوض تجربة الغربة خارج الوطن من أجل تربص مهني، كان سينتهي به لأن يصبح عاملا تقنيا في المجال الكيميائي، إلا أن القدر كانت له الكلمة الأخيرة، لتبدأ بعد ذلك علاقة عشق رهيبة بين عبد الكريم والصحراء الجزائرية، تمكن عبرها من معرفة ذلك العالم الأسطوري، وهو يستعرض مفاتنه في شساعة المكان، ما جعله مع مرور الوقت أكثر تعلقا بالحياة في الصحراء الجزائرية، حيث “السلام الداخلي” الذي يبحث عنه كل إنسان في هذه المعمورة، أو ذلك الفضاء الوحيد الذي يجعلك تجدّد الرغبة في الاستمرار والعيش، بل الفضاء الأوحد لشحن قوة الإرادة من تلك الأمكنة الأسطورية، والمناظر الطبيعية العذراء، وتلك التجليات الروحية والسكينة التي لا يمكن استشعار تفاصيلها والاستمتاع بنشوتها، إن لم تبحر فيها وتلمس نبضاتها التي تبعث الحياة فيك، وتجعلك “تتوحد” معها، كما يقول عبد الكريم كتاني، وهو يسرد لنا بعض تفاصيل قصته الأبدية مع الصحراء الجزائرية، ما جعله يدرك يقينا أن “الصحراء هي الفضاء الذي كان يبحث عنه”، أو بتعبير جمالي، إن الصحراء جعلته يتلمس “انتماءه”، وجعلته مع مرور الزمن يتعرف على ماهيته ومن يكون عبد الكريم “الإنسان”، هذا الرجل الذي بدا، وهو يتحدث إلينا، أكثر اتزانا وحكمة، رجل لا يشبهنا، مختلف عنّا، يمارس الحياة بطريقة مختلفة تماما، مستلهما من رحلاته الطويلة تلك المعاني الحقيقية لوجودنا الإنساني، هذا الوجود الإنساني الذي تنتحر على مشارفه كل الأشياء التي تفسد سعادة الإنسان.

وصفة السعادة
“السعادة” التي قال بشأنها محدثنا إنها تزداد “كثافة” مع كل خطوة يخطوها في مسيرته المثيرة، إذ إن كل “خطوة” من خطواته هي بمثابة جرعة من السعادة، من أوكسجين الحياة، وهو ما لا يدركه الآخرون، أو من مئات الناس الذين التقى بهم ويلتقيهم في رحلته العجيبة والممتعة، قاطعا آلاف الكيلومترات من أجل تحقيق حلمه في الوصول إلى مدينة جانت الساحرة بكهوفها العجيبة، وكثبان رمالها، وأناسها الطيبين، وبمناظرها التي تختصر وجودنا، وتجعلنا نقف على ما أبدعته الطبيعة منذ بداية الخلق بصحرائنا، التي تخلب العقول بشهادة ملايين السياح الأجانب أو من أبناء الوطن ممن يتخذون من الفضاءات الصحراوية أمكنة “لجوء”، بحثا عن ذلك السلام الداخلي، بعيدا عن التوترات اليومية والضغوط الرهيبة التي تفرضها الأماكن الضاجة.
عبد الكريم الذي فتح قلبه لـ”الشروق”، فتح أيضا أعيننا، لنقف عن قرب ونرى بعض الحقائق التي تشكّلت لدينا وبقيت عبارة عن أسئلة عالقة، تبحث لها عن أجوبة، عند هذا الرجل الذي نعتبره الإنسان الخارق للعادة، غير أنه سرعان ما يتبدد “العجب”، وتتحول “تعجباتنا” على لسان عبد الكريم كتاني إلى “إعجاب” برجل بدأ كتابة قصته مع الصحراء منذ كان عمره 20 سنة، كمنظم رحلات إلى الجنوب، ما أهله لأن يسبر أغوار الصحراء الجزائرية، ويخوض رحلات كثيرة ومتعددة، قبل أن يتفرغ لرحلاته الطويلة عندما تقاعد عن وظيفته في سن الخمسين من العمر إلى يومنا هذا، حيث يقترب من مشارف الـ74 عاما من عمره، مدونا طيلة فترات عمره قصة عشقه على الرمال، يدونها بقطرات العرق المتصبب على جبينه وهي تنزلق في لحظات التعب والإرهاق، حينما تستقر الشمس في كبد السماء، أو عندما تخط نظراته شساعة الأمكنة، وهي تمسح اللاحدود، هنالك حيث الممكن والمستحيل، أو عندما يستبطن في وحدته وهو يخلد للراحة تلك اللحظة الأزلية التي تختطفه إلى وجود تنصهر فيه كل اللغات وينبعث من آفاقه صوت الإنسان الباحث عن سعادته.

يوميات مثيرة
وضع كريمو برنامجا يوميا، يبدأ مع الخامسة صباحا، على أن ينتهي مع حدود السابعة مساء، قبل أن يخلد للنوم، يكون فيها قد قطع بضعة كيلومترات تصل ما بين 30 و35 كلم، وأحيانا تتجاوز 40 كلم، وهي المسافات التي يقطعها تقريبا يوميا، تتخللها فترات، لتناول الطعام، وأحيانا يستوقفه بعض المواطنين ممن يستعملون الطرق الوطنية، يسألونه عن مغامراته بكثير من الاستغراب، قبل أن يلتقطوا صورا تذكارية وهم يشدون على يده تشجيعا له على المواصلة والاستمرار، وغالبا ما تأخذ منه هذه التوقفات بعض الدقائق تصل أحيانا إلى 10 دقائق، إلا أنه يجد نفسه مضطرا للتوقف والترحاب بكل من يقترب منه والتحدث إليه والإجابة عن كل أسئلتهم، قبل أن يكمل مسيرته في اليوم الموالي، واضعا ضمن مخططه كل الاحتمالات من عواصف رملية، وشدة حر وغيرها من التغيرات المناخية، التي يجد نفسه مطالبا بمجاراتها، مع عدم إرهاق جسده، يحدث كل هذا بعد أن يقضي جميع لياليه بسلام، واضعا في حسبانه أي هجوم قد يتعرض له من الحيوانات التي يأتي في مقدمتها “ابن آوى”، إلا أن خبرته الطويلة ومعرفته بالصحراء غالبا ما تضمن له النوم بهدوء وسلام، بعيدا عن أي حادث طارئ.
يقول عبد الكريم عن تجاربه ورحلاته، إنها لم تأت هكذا من عدم، بل تطلبت إعداد العدة لخوض المغامرة، وأول شيء هو أن يكون لك “الوقت” الكافي والتفرغ التام لخوض التجربة، حتى لا يعيقك أي شيء من أجل تحقيق ما تربو إليه، أن تضع كل مشاغلك اليومية جانبا وكل التزاماتك وكل مواعديك، وأن تؤجل كل شيء. وبعدما تمكّن من تحقيق شرط “الزمن”، مع بلوغه مشارف الخمسين من العمر، انطلق في مغامراته مع الرحلات الطويلة، سيرا على الأقدام، تطلب الأمر مع بداياته الأولى معرفة مدى قدرة جسده على التأقلم مع الوضع الجديد، ومع تعدّد الرحلات تمكّن جسده على التعود، مما شجعه أكثر على المواصلة والاستمرار، يستلهم من تجارب الآخرين، ويأتي في مقدمتهم المستكشف الفرنسي والمرشد الصحراوي لويس جون بيرنزيت، هذا الأخير الذي يمثل بالنسبة لعبد الكريم الأب الروحي، الذي تعلم من خلاله خوض غمار الصحاري، وممارسة فن العبور، سواء على البعير أم سيرا على الأقدام، لأكثر المناطق صعوبة واكتشاف الأسرار الربانية المدفونة بين كثبان الرمال، من عرق لعرق، ومن جرف لجرف.
ولأن الإنسان مجبول على التعلم، فقد علمته قوافل الجمال، كيف يرمي الخطى بكثير من التأني والتبصر، وبكثير من الهدوء، قبل أن يجول ببصره متأملا ومبصرا ذلك السحر، وهو يمارس هوايته في أقاصي الصحراء، إذ لا توجد هنالك متعة -يقول عبد الكريم- مثل متعة السير على الأقدام أو ركوب البعير، إن أردت اكتشاف ذلك السحر “فكلما تناغم جسدك مع الطبيعة، حدث الأثر الجميل في أعماق النفس البشرية”.

رسالة إلى الشباب
تركنا عبد الكريم يأخذ قسطا من الراحة، بعد وصوله إلى عين أمناس، على أن يكمل ما تبقى من رحلته الأسطورية نحو جانت، على بعد مسافة تصل إلى حدود 650 كلم، وهي مسافة تستلزم منه فترة زمنية تفوق 24 يوما، وهي المدة الزمنية الفاصلة بينه وبين تحقيق حلمه.
هذا الحلم الذي تطلب منه توفير حقيبة ظهر، تحتوي على قليل من الطعام، وقارورة ماء وخيمة صغيرة، وإرادة قوية، وجسد لا يطلب منك إلا وقتا مستقطعا من الراحة، حتى يكمل سيره ومسيرته، يحذوه أمل كبير في الوصول إلى نقطة الوصول، غير آبه أو مكثر بتلك المخاطر التي قد تقف في طريق سعادته، وكم هي كثيرة ومتعدّدة، بداية بالعواصف الرملية، مرورا بالحيوانات والزواحف المزعجة والخطيرة أحيانا، مثل الأفاعي والعقارب وابن آوى، أو حينما يصيب ماكينة الجسد عطب ما يتطلب منه وقتا مستقطعا، قبل المضي مجددا نحو استكمال سعادة لا محدودة، لرجل شكل الاستثناء، بل جعل الكثير من المواطنين ممن التقى بهم في طريقه، يعربون عن استغرابهم مما يفعله، إلا أنه كثيرا ما يجيبهم، بأن الجسد السليم يتحكم فيه العقل السليم، وأنه لا خطر عليه ما دام هنالك “راحة البال” التي هي المحرك الأساسي لماكينة الجسد.
عمي عبد الكريم الذي وجّه رسالة للشباب بضرورة التحلي بالإرادة والتسلّح بالعزيمة من أجل تحقيق الأحلام وإثبات الذات، أكد أن صحراءنا تبقى دوما بحاجة لمن يكتشف جمالها وسحرها، ضاربا للجميع موعدا مع مشارف السنة القادمة، يكون حينها قد حقق حلمه وتمكّن من اجتياز 5 آلاف كلم، راسما بذلك أضلع مثلث “الحلم”، بين الجزائر العاصمة إلى تمنراست ومن تمنراست إلى جانت، وأخيرا من الجزائر العاصمة إلى جانت، واضعا حساب مجموعته على “الفايس بوك” لكل من أراد متابعة تفاصيل رحلة الجزائر ـ جانت سيرا على الأقدام.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!