هكذا سبق الإسلام الغرب إلى مفهوم المواطنة
إن من النادر جدا أن نجد “مفهوما” تفننت قواميس اللغة في إبداع اشتقاقاته وأصوله وفروعه، وتفننت قواميس المصطلحات السياسية في تفصيل أبعاده ودلالاته مثل مفهوم “الوطن” ومنه “الوطنية”، ولكننا نجدها جميعا مجمعة أصلا وقبل كل شيء على المعنى الأولي الجوهري والفطري لهذا المفهوم، ألا وهو “مسقط الرأس”، هذا المكان المحدود الذي يولد فيه الإنسان ويعيش فيه، والذي يمتزج فيه وجدانه بترابه ومائه وهوائه، ثم يمتد ويتسع في دوائر متنامية من المنزل إلى الحي إلى القرية إلى المدينة، ثم تتطور علاقة هذا الإنسان بهذا المكان “الوطن” وتبرز نزعات متباينة بل متناقضة أحيانا، فنجد من يقدس هذا الوطن تقديسا فيصبح الحب فيه والبغض فيه، ولو هلك بعد ذلك كل من في الأرض جميعا، لأنه لا يرى “للآخر” حقا أو حرمة؛ وهناك من يرى الوطن من منظور المصلحة، فهو عنده عزيز ما قدم وأعطى ووفر من أسباب العيش الرغيد وحقق من الأماني والآمال..
ومن الواضح البين أن المفهوم الصحيح ”للوطن” كقيم ومشاعر و”للوطنية” كسلوك يجسد تلك القيم والمشاعر، غير هذا وذاك..
إن “الأرض- الوطن” في المفهوم الحقيقي لهذا المصطلح هي امتداد للإنسان ذاته، إنها عنوانه وتاريخه ووجدانه، إنها “الشكل المادي” لقوام وجوده؛ ومن أجل ذلك كله أصبحت مكانتها عنده لا تقاس بسعة العيش أو ضيقه فيها، أي بما توفره من غذاء وكساء ودواء ومأوى ومن أمن وأمان واستقرار، بل تعود مكانتها إلى ما توفره لهذا الإنسان من فرص تحقيق الذات، بالعطاء والتضحية والإسهام في بنائها وعمرانها وإعلائها.
وإذا قفزنا بهذه العلاقة إلى مستوى التفكير السياسي الحديث فإننا نقول: إن المواطنة هي علاقة الإنسان بالكيان المؤطر المنظم للحياة داخل هذه الأرض المحدودة – الطن – المصطلح عليه بالدولة، وهذه العلاقة تكون مستقلة عن الخصوصيات المختلفة الأخرى، الدينية منها والعرقية والسياسية وغيرها.
ويظل الأساس والجوهر في هذه العلاقة هو مبدأ المساواة أمام القانون، مما يجعل كل فرد مواطن يشعر بما يترتب عن هذه “المواطنة” من حقوق وواجبات! ومن هنا كانت النزعات الطائفية والعرقية والمذهبية الضيقة جميعها منافية “للمواطنة” لأنها تناقض الوحدة الوطنية بما تغذيه من الضغائن والأحقاد والتنافر والتعصب، مما يؤدي إلى تصدع تلك الوحدة، عندما يصبح الولاء ليس للوطن وإنما للعشيرة أو الطائفة أو الحزب أو المذهب، بمفهومه التعصبي الضيق.
إذن فإن المواطنة سلوك يؤكد وطنية الفرد أو ينفيها، لأن المواطنة واجبات والتزامات ووفاء، قبل أن تكون حقوقا ومكاسب، ولذلك يقول علماء الاجتماع: “إن المجتمع القوي في تضامنه هو مجتمع غني بالمواطنة” ومعنى هذا أن ذهاب المعاني المشتركة والمعتقدات العامة وبروز النزعة الفردية وطغيان المادة والمصلحة الخاصة، كلها مؤشرات على تقلص مضمون المواطنة الفعلية..
فالمواطنة مفاعلة، أي أنها مشاركة بين التجريد والتجسيد؛ بين التفكير المجرد والمبادىء والقيم وبين السلوك المجسد لذلك كله؛ فليس كل مواطن وطنيا، لأن الوطنية عاطفة متأججة أبدا نحو الوطن الذي تربطه بهذا المواطن مواثيق وعهود وواجبات والتزامات.
والحقيقة الكبرى التي ينبغي إبرازها هنا هي أن المجتمعات الغربية إذا كانت لم تعرف حقوق المواطنة إلا بعد الثورة الفرنسية، بسبب التمييز الذي كان قبلها على أساس الدين، وعلى أساس العرق بسبب الحروب القومية، وعلى أساس الجنس بسبب التمييز ضد النساء، وعلى أساس اللون بسبب التمييز ضد الملونين، فإن المواطنة الحقة الكاملة في الحقوق والواجبات قد اقترنت بالإسلام وبنشأة نواة المجتمع الإسلامي الأول في المدينة المنورة! وأساس ذلك هي الرؤية الإسلامية للإنسان من حيث هو إنسان بغض النظر عن جنسه أو دينه أو لغته أو لونه.
هذه النظرة إلى “مطلق الإنسان” تجسدت منذ السنة الأولى للهجرة النبوية في أول صحيفة مكتوب تناولت أسس المواطنة وحقوق المواطن وواجباته.. هذه الوثيقة التي يجمع النزهاء من المؤرخين والقانونيين أنها أهم وثيقة في التاريخ تضمنت أرقى شكل من أشكال التنظيم السياسي والإداري والاجتماعي للدولة بتعبيرنا الحديث، وهذا التنظيم يعكس فلسفة قيم هي الأساس لما ينبغي أن تكون عليه العلاقات الإنسانية على نحو لم يشهده مجتمع بشري من قبل، وهي المساواة التي هي أساس المواطنة، والتي تترجمها لغة العصر بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وما إلى ذلك..
لقد رسمت هذه الوثيقة حدود العلاقة بين السلطة وكافة أفراد المجتمع المدني على تنوعاتهم الدينية والقبلية، وحددت علاقات هذه المجموعات مع الدولة الناشئة، وأوضح، بل ضمنت للجميع حقوق المواطنة في هذه الدولة الناشئة، وأرست مبادئ الانتماء للأمة لا إلى القبيلة، فظهر بذلك لأول مرة في التاريخ المعنى القانوني والدستوري للمواطنة، هذا المعنى الذي عبرت عنه الوثيقة بلفظ الأمة، متجاوزة بذلك زمانها، بل زماننا – نحن اليوم- الذي ماتزال فيه بعض الأمم ترى في الانتماء العرقي والمذهبي هو الهوية وهو المواطنة..
لقد جاء في هذه الوثيقة “… هذا كتاب من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم إنهم أمة واحدة من دون الناس، وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم”.
وفي السنة العاشرة للهجرة نظمت الدولة الجديدة علاقتها مع نصارى نجران وأقرت لهم بالعهود الموثقة كامل المساواة مع المواطنين المسلمين في حقوق المواطنة وواجباتها..
إن هذه الوثيقة التي ميزت بين أمة “الدين” وأمة “السياسة” خير رد على من ينكر إقرار الإسلام بمفهوم المواطنة بدلالاته السياسية المعاصرة…
فإذا كان الإنسان الغربي لم يعرف المواطنة وحقوقها إلا على “أنقاص الدين” أي بعد انتصار العلمانية على الكنيسة، فإن الإسلام هو الذي أنشأ المواطنة، وشريعته هي التي أثرت حقوقها فأضفت بذلك على هذه الحقوق “صفة القداسة”..