هكذا فقدت والدتي واستيقظت من غفلتي ثم أعلنت توبتي؟!
سنوات الضلال لم تكن طويلة جدا، لكن استرجاع شريط التفاصيل المؤلمة مرهق حقا بالنسبة لفتاة طوت صفحات كثيرة مظلمة في حياتها واختارت لنفسها طريق الزهد في ساعة حزن يملؤها الخشوع..
نسرين، فتاة في الخامسة والعشرين من عمرها، تقطن بإحدى بلديات ولاية الجزائر، تنتمي لعائلة متواضعة، متكونة من 3 بنات و5 ذكور، وقد كانت غارقة في وحل المعاصي والفجور، حتى منّ الله عليها بالهداية ذات ليلة ظلماء..
تقول نسرين: “كنت في غفلة حقيقية ولم أكن أعرف السعادة ماهي.. عشت حتى سن العشرين في غربة عن روحي، أشاهد الأفلام الجنسية وأستمع إلى الأغاني العاطفية، وكم هي كثيرة الأيام التي كنت أسهر فيها مع المجون حتى آخر خيوط الفجر.. كانت والدتي تنهرني وتطلب مني الاستقامة على الحق، لكني لم أكن أستمع لكلامها، وكنت أسخر منها وأنعتها بالمتخلفة دون اعتبار لكونها سبب وجودي”.
عن الثياب التي كانت ترتديها تقول: “لا أحدثكم عن العجب الذي كنت أرتديه لأني كنت حريصة على مواكبة الموضة، واختيار ما شفّ وفتن وعري ولو اضطررت لسرقة النقود من أجل توفير ما أريد !.. كنت عاقة لوالديّ أيما عقوق ولا أكتفي بقول الأف لهما، بل أنهرهما وأصرخ في وجههما، ولا أهتم للعقاب الذي يطالني بعد ذلك لأن المهم عندي هو إخراج بركان الغضب الذي يتولد بداخلي كلما سمعت سيرة الحجاب.. تمردت على هذا الأمر كثيرا وازداد ضغط عائلتي عليّ أكثر، وفي مرة من المرات جاء تحذير والدي قاطعا، حيث خيرني بين لبسه أو ترك الدراسة والبقاء حبيسة أربعة جدران، فاخترت لبسه طبعا، لأن أفكاري المنحرفة أنذاك قادتني إلى نزعه خارجا خفية عنهم..”
وتمهيدا لذلك تواصل سردها لمرحلة تمردها: “كنت اهتم بمظهري جيدا وأجمل نفسي بطريقة آسرة، ثم أضع الحجاب من فوق كي يسهل عليّ رميه بعيدا عني مع اقتراب وصولي إلى الثانوية.. تلاعبت برمز العفة والطهارة عامين كاملين ولم يرتب أحد في أمري لأني كنت أتظاهر باقتناعي به وسخطي على أيام التبرج، وكم كنت أشعر بالفرح وأنا أخون ثقتهم لظني بأني أخدعهم وما كنت أخدع إلا نفسي ولكني كنت غافلة وجاهلة..”
بخصوص الصلاة تتحسر قليلا ثم تستأنف: “لم يكن أحد يحاسبني عليها أو يطلب مني تأديتها، لذلك استهنت بها كثيرا ونزعتها من قائمة حساباتي.. وفي رمضان سابق وبالضبط من حوالي خمس سنوات، كانت أمي تصلي المغرب يوميا مع أخواتي، في حين يذهب والدي وإخوتي الذكور إلى المسجد، وأبقى وحدي كالشيطان على المائدة، آكل بسرعة ونهم حتى أعود لوكر مجوني.”
وذات مساء من نفس ذاك الشهر الفضيل تقول: “توفيت والدتي بسكتة قلبية مفاجئة وكانت صدمتي كبيرة ومصابي عظيم، لأني لم أشعر بقوة حبي لها وبقيمتها في حياتنا حتى فارقتنا للأبد، تاركة وراءها فراغا رهيبا لا يملؤه أحد سواها.. بكيت عليها بحسرة وكان صوت الشيخ السديس المتردد على مسامعي طيلة أيام العزاء، بمثابة الصفعة التي أيقظتني من غفلتي، أما آذان المغرب فكان يزعزع كياني ويزيدني حزنا على أحزاني لأني ندمت على كل لحظة تركت فيها الصلاة إلى جانب أحب مخلوقة صبرت على جنوني وغمرتني حبا وعطفا رغم سوء سلوكاتي وقلة أدبي..”
تبكي كثيرا وبحرقة ثم تمسح دموعها وتواصل: ” رحلت الغالية في مثل هذا الشهر وأخذت معها الصدر الدافئ تاركة لي بحورا من الأسى والحسرة وجرحا في القلب لا يداويه إلا رجوعها.. آه كم صبرت على أذاي وكم طلبت الله في قيامها وسجودها أن يهديني إلى طريقه المستقيم، وشاءت حكمته سبحانه وتعالى أن تكون بداية أوبتي بموتها، فليت أخباري تصلها حيث هي لتطمئن بأني أصبحت إنسانة أخرى أو بالأحرى مولودة جديدة يحتسب عمرها من يوم توبتها..”
تتنهد بعمق وتقول: “تأثرت بسماع القرآن الكريم وهجرت الأغاني الماجنة والفيديو كليبات الهابطة.. أصبحت مواظبة على الصلاة، متمسكة بالحجاب، معتزة به لأنه بحق حماية لي من الذئاب.. كم كنت افرح بالمعاكسات وأغترّ بالثناء الحسن، وكم كنت أقف أمام المرآة أزين نفسي حتى أسمع المزيد من عبارات الغزل والثناء..”
والآن تطأطئ رأسها خجلا وتضيف: “ظهر الحق وزهق الباطل وما تلك المساومات إلا مجرد كلمات بلا معنى، فيها من الإهانة للمرأة ما لا علم لها به ولو تدري كل واحدة أن الرجال يسخرون منها ويحتقرونها أكثر مما يعجبون بها وهي كاشفة لمفاتنها لما تجرأت يوما على الاستخفاف بالحجاب..”
بعد خمس سنوات من الثبات على الحق، ذاقت خلالها حلاوة الإيمان ولذة القرب من الرحمان تقول: “إن السعادة الحقيقية هي معرفة الله واللجوء إليه والتمسك به واتباع أوامره واجتناب نواهيه، لأن في القلب ثغرة لا يسدّها إلا الأنس بلقائه جلّ وعلا، وكنصيحة لإخوتي وأخواتي في الله، أقول بأن الهداية نعمة وبأن المعاصي لا تقود إلا إلى التهلكة، فالحذر الحذر والسلام عليكم.”