الرأي

هلْ هي غَنيمة حربٍ أم لُغمٌ؟

لمباركية نوّار
  • 80
  • 0

كلما تعلّق الحديث بالمدرسة إلا وطفت الجملة التي قالها الرّوائي كاتب يسين (واسمه الحقيقي محمد خلّوطي) على السطح، وهي الجملة التي تنصّ على: (اللغة الفرنسية هي غنيمة حرب)، وهي جملة لا تصحّ للمحاججة والمقارعة، ولا يمكن استعمالها لتبرير واقع معوّج. وكان الأحرى أن نستحضر أقوال كتّاب آخرين ممن جايلوا كاتب ياسين، وهي أقوال تتصف بالواقعية، وتتأسَّف للظّروف التي حرمتهم من تعلّم اللغة

العربيّة. ومن ذلك قول الكاتب محمّد ديب الصريح: (إن أخيلتي وتصوراتي نابعة من اللغة العربية، فهي لغتي الأم، إلا أنها مع ذلك تعتبر موروثا ينتمي إلى العمق المشترك. أما اللغة الفرنسية فتعتبر لغة أجنبية مع أني تعلمت القراءة بواسطتها، وقد خلقت منها لغتي الكتابية).

إنّنا نتفهّم، ولو جزئيا، الكتّاب الجزائريين الذين أخرجوا إنتاجاتهم الأدبية من روايات وقصص وأشعار وأعمال مسرحية إلى قرّائهم باللّغة الفرنسية؛ لأن الاستعمار الفرنسي فرض لغته أداة للتعليم في المدارس التي أنشأها في مدن الجزائر وقراها على مراحل ووفق مخطّطات مدروسة. ولم يكن أمام بعض المثقفين الذين تعلّموا في مدارسه

وفي جامعاته من حيلة سوى أن يحركوا أقلامهم من اليسار إلى اليمين معبّرين عن آرائهم باللّغة الفرنسية. ولكنّهم نفسيا كانوا منكسرين ويحسّون بالغبن والحرمان، ويشكون من الإجحاف والفقد. وكان ألم الأسف والأسى يقطّع أكبادهم ويقضم أعصابهم وهم يمشون

مجبرين على نيران القهر والاغتراب والانعزال عن لغتهم، ويكابدون مرارة النفي اللغوي، وهو أثقل على النفس من النفي خلف البحار وبعيدا عن الأوطان.

كان مالك حدّاد صادقا وواضحا لما اعترف بمأساته، وربّما بمأساة أقرانه ممن كتبوا باللّغة الفرنسية لمّا نطق بالقول: (إن الفرنسية هي منفاي الذي أعيش فيه، ولو كنت أعرف الغناء لقلت شعرا عربيّا.. إنني أرطّن ولا أتكلم!).

لمّا يكرّر مالك حدّاد الحديث عن موضوع الاغتراب اللّغوي، فمعنى ذلك أن القضية تحوّلت عنده إلى جرح غائر في قلبه لا يتوقف عن النّزف والسّيلان بعد أن أسفكته طعنة الخنجر المسموم التي تلقاها في صغره. ونجده ينتصر للغة وطنه، ولا يرى في لغة المستعمِر أي غنيمة ينتفع بها، وهذا ما نقرأه في قوله: (إن الكاتب الجزائري الذي يكتب بلغة المستعمِر هو ضحية التاريخ، فهو يؤمن بأن الكتابة باللّغة الأم ستكون أصدق، وأكثر قدرة على التعبير عن حقيقة أفكاره، فاللغة العربية أهم معالم هُويّة المجتمع الجزائري، أما لغة المستعمِر فإنها منفى رمزي، وعزلة وجودية).

وفي ديوانه: «الشقاء في خطر»، وجّه كاتبنا مالك حدّاد عتابا رقيقا ولوما مهذّبا انتقى كلماته إلى والده الذي حرمه من التّعلم في الكتاتيب، وآثر أن يُدخله المدرسة الفرنسية، وأن يُجلسه في أقسامها متعلّما. وفي أسلوب شعري نسجه وجدان مكلوم

ومبضوع ونطق به لسان مجروح، يقول:

(لكلمة وطن عندنا طعم الغضب

أبي.. يا أبي

لماذا حرمتني

تلك الموسيقي المنسوجة من لحمي ودمي

انظر إليّ

إلى ابنك

ابنك الذي يلقن أن يقول في لغة غريبة

تلك الكلمات الحلوة التي كان يعرفها

عندما كان راعيا).

لمّا يكرّر مالك حدّاد الحديث عن موضوع الاغتراب اللّغوي، فمعنى ذلك أن القضية تحوّلت عنده إلى جرح غائر في قلبه لا يتوقف عن النّزف والسّيلان بعد أن أسفكته طعنة الخنجر المسموم التي تلقاها في صغره. ونجده ينتصر للغة وطنه، ولا يرى في لغة المستعمِر أي غنيمة ينتفع بها، وهذا ما نقرأه في قوله: (إن الكاتب الجزائري الذي يكتب بلغة المستعمِر هو ضحية التاريخ، فهو يؤمن بأن الكتابة باللّغة الأم ستكون أصدق، وأكثر قدرة على التعبير عن حقيقة أفكاره، فاللغة العربية أهم معالم هُويّة المجتمع الجزائري، أما لغة المستعمِر فإنها منفى رمزي، وعزلة وجودية). وحين يستطرد يضيف إلى أقواله السابقة: (إنني مفصولٌ عن وطني بحاجز البحر الأبيض المتوسط، بقدر أقل ممّا أنا مفصول عنه بحاجز اللّغة الفرنسية!).

يمنح لنا الأديب والشاعر مالك حدّاد مثالا عن المثقف الجزائري الوطني والعضوي الذي يدرك خطورة الانفصال عن الوطن بسبب اللّغة، والنأي عنه في منافي اللغة الفرنسية البعيدة. لأن هناك علاقة قوية بين اللّغة وماضي الوطن وحاضره ومستقبله، وطموحاته، وتراثه، وأمجاده، ونضاله، وثورته، وشهدائه. ولا يمكن التعبير عن هذه المواضيع

الوطنية إلا بلغة الوطن مالكة صفات الصدق والبيان والإعجاز والصفاء والوفاء؛ فالحديث عن الوطن وشؤونه وهمومه لا يكتمل إلا بلغة الوطن نفسه.

يصل مالك حدّاد الذي رحل عنّا في منفاه الاختياري إلى حالة شعورية مأساوية قصوى تتجاوز الغربة والنفي، وهي حالة اليُتم. وهل هناك أقسى من اليُتم في حياة الإنسان؟. وكم أحسّ أنه يتيم يعيش بدمع منهمر على خدّيه لا يكفكف وبقلب مأزوم مرتجف ومنفطر لا يخف حزنه. ولا شكّ أن اليُتم اللّغوي في حالة مالك حدّاد أعظم وأشق على نفسه من اليتم الآخر؛ لأنه سلب منه أداة التواصل والتعبير والتفاعل والانفعال، وجرّده من وسيلة التفكير. ولذا لم يتردد في مكاشفة المستعمر الذي حرمه من لغة وطنه التي أحبها بالقول: (لم نتعلم من فرنسا إلا يُتمنا!).

يصل مالك حدّاد بعد أشواط من المعاناة النّفسيّة التي تمزّق أحشاءه داخليا إلى التصريح الختامي الفاصل يجمع فيه قناعته الثابتة وميله ومفاضلته واختياره، ويطلق قولته الانحيازية إلى وطنه الجزائر، قائلا في ثبات: (أنا جزائري.. أنا لست فرنسيا، ولن أكون!).

رافق الحرمانُ مالك حدّاد كما يرافق المرض المزمن من أصيب به، وكدّر حياته باللّيل وبالنهّار، ونغّص عنه راحته، وكتب عليه الشّقاء والعناء. وأصبح يرى جمال وبهاء ودلال ومداعبة اللّغة العربية في كل كلمة ينطق بها لسانه باللّغة الفرنسية. وفي كلّ مرّة يذوب حسرة وحنقا واغتياظا. ووصل الأمر به إلى حدّ ملاحظة الفرق أثناء نطقه

بلفظتي: «أمّي» و»Maman»، وكأن الكلمة الأولى أقوى تعبيرا وأرجح إرشادا، وأعظم نصيبا من حيث مقدار الحنان والاحترام والتّعلّق. ويختزل حالته في واقعية أو في رمزية لمَّا ينطق لسانه بالمقطوعة الشّعرية التّالية:

(أمي أبدا جميلة إني معها كل يوم

ولكن اسمها الحقيقي عربي

ابكِ يا أماه

هذا الصغير الذي غدا ابنك جدير بالدموع

منذ اهتدى إلى أن يناديك يا أمي

فباسم مواسم الحصاد دعاك أمه

ومن صدرك شرب طعم الضياء

الآن يجب أن أصمت!).

بعد كل ما ذكرنا من نفي، هل يبقى من بيننا من يعتقد أن اللّغة الفرنسية في الجزائر هي غنيمة حرب؟ كلاّ، وألف كلاّ، إنها ليست مغنما ولا مكسبا ولا فيئا، وإنما هي لُغم.

مقالات ذات صلة