الرأي

هل‮ ‬يتمكن الدبّ‮ ‬من إنقاذ الأسد؟

حسين لقرع
  • 2122
  • 0

يبدو واضحاً‮ ‬من خلال تركيز أغلب الضربات الجوية الروسية على مواقع المعارضة المسلحة بمختلف فصائلها أكثر من التركيز على مواقع‮ “‬داعش‮”‬،‮ ‬أن الهدف الأول للتدخل العسكري‮ ‬الروسي‮ ‬هو تمكين الجيش السوري‮ ‬من استعادة مدن ومساحاتٍ‮ ‬واسعة من الأراضي‮ ‬من أيدي‮ ‬المعارضة،‮ ‬وبالتالي‮ ‬فرض تسوية سياسية عليها في‮ ‬مرحلة لاحقة تقوم على أساس تقاسم الحكم والقبول ببقاء الأسد‮.‬

وتقول روسيا إنها لا تحارب سوى‮ “‬داعش‮” ‬و”النصرة‮” ‬وحلفائهما من الجماعات الإسلامية المتشددة،‮ ‬وأنها لاتزال‮ “‬تبحث‮” ‬عن المعارضة‮ “‬المعتدِلة‮” ‬للتواصل معها وبحث كيفية التوصل إلى حل سياسي‮ ‬في‮ ‬سوريا،‮ ‬في‮ ‬حين أن الواقع‮ ‬يؤكد أن روسيا تستهدف كل فصائل المعارضة دون تمييز،‮ ‬بهدف تحجيم خطرها وإضعافها وإرغامها لاحقاً‮ ‬على قبول تسوية مع نظام الأسد‮.‬

وإلى حدّ‮ ‬الساعة،‮ ‬تسير الضرباتُ‮ ‬الجوية كما تشتهي‮ ‬روسيا؛ فخلال ثلاثة أسابيع فقط من التدخل،‮ ‬وجّهت الطائراتُ‮ ‬الروسية ضرباتٍ‮ ‬موجعة للمعارضة السورية أربكتها وقلّلت من قدرتها على التحرك بحرّية،‮ ‬ما مكّن الجيش السوري‮ ‬من شنّ‮ ‬هجمات واستعادة قرى عديدة منها في‮ ‬شمال حلب،‮ ‬وهو ما‮ ‬يعني‮ ‬أنه استعاد زمام المبادرة بعد أن كان في‮ ‬موقع دفاعي‮ ‬منذ أشهر وانسحب من مدن عدة أمام ضربات المعارضة للحفاظ على مدن أخرى‮.‬

وإذا استمرّت الأمور على هذا النحو،‮ ‬فقد لا تمرّ‮ ‬أشهر حتى‮ ‬يستعيد الجيش السوري‮ ‬معظم المدن والأراضي‮ ‬من المعارضة و”داعش‮” ‬معاً،‮ ‬ما‮ ‬يمكّن النظام من فرض شروطه على المعارضة في‮ ‬أي‮ ‬مفاوضات قادمة‮. ‬وهذه الحقيقة تدركها جيّدا الدولُ‮ ‬الإقليمية والغربية المسانِدة للمعارضة،‮ ‬ولذلك سارعت الطائرات الأمريكية إلى‮ “‬إنزال‮” ‬نحو‮ ‬500‮ ‬طن من الأسلحة والذخائر على مواقعها،‮ ‬كما قدّمت لها دولٌ‮ ‬إقليمية صواريخ نوعية مضادة للدبابات والمدرّعات،‮ ‬وهي‮ ‬تلوِّح بأن تقدّم لها أيضاً‮ ‬صواريخ متطورة مضادة للطائرات،‮ ‬لتكرار السيناريو الأفغاني‮ ‬في‮ ‬أواخر الثمانينيات؛ إذ تمكن المقاتلون الأفغان من إيقاع خسائر فادحة بالطيران السوفياتي‮ ‬بصواريخ‮ “‬ستينغر‮” ‬الأمريكية،‮ ‬ما ساهم في‮ ‬دحر الغزو السوفياتي‮ ‬لاحقاً‮.‬

ويبدو أن روسيا قد التقطت هذه‮ “‬الرسالة‮” ‬جيّداً،‮ ‬بدليل تكثيف اللقاءات والاتصالات مع قادة الدول الإقليمية والغربية قصد بحث حل سلمي‮ ‬للأزمة السورية بالموازاة مع تواصل‮ ‬غاراتها الجوية على مواقع المعارضة‮.‬

ويعني‮ ‬هذا الأمر،‮ ‬أن بوتين‮ ‬غير متشبّث ببقاء الأسد كرئيس لسوريا بالضرورة،‮ ‬حتى وإن استقبله في‮ ‬موسكو،‮ ‬وقد‮ ‬يضحّي‮ ‬به إذا توصّل إلى تفاهمات مع السعودية وتركيا وأمريكا وغيرها‮.. ‬تتعلق بتفاصيل المرحلة الانتقالية ومآلاتها،‮ ‬وكيف‮ ‬يتقاسم النظامُ‮ ‬الحكم مع المعارضة ويتفرّغان لمحاربة‮ “‬داعش‮” ‬معاً،‮ ‬وصولاً‮ ‬إلى إجراء انتخابات عامّة تحت الرقابة الدولية،‮ ‬فهذه التفاهمات قد تُقدّم سُلمّ‮ ‬النزول من الشجرة لروسيا،‮ ‬وتضمن لها ديمومة مصالحها،‮ ‬سواء بقي‮ ‬الأسدُ‮ ‬أو رحل،‮ ‬وعدم ضياع سوريا منها كما ضاعت العراق وليبيا من قبل بسبب تراخي‮ ‬موسكو في‮ ‬نجدة نظاميْ‮ ‬صدام والقذافي‮.‬

قد تكون هناك تفاهماتٌ‮ ‬وتسوية في‮ ‬سوريا تُبقي‮ ‬نظامَها قائماً،‮ ‬بالأسد أو بدونه،‮ ‬وقد‮ ‬يستمرّ‮ ‬الوضع الراهن وتُجرّ‮ ‬روسيا إلى حرب استنزاف،‮ ‬وإذا كسبتها روسيا فستعزز مكانتها الدولية على حساب واشنطن وحلفائها،‮ ‬وإذا خسرتها،‮ ‬فستنتهي‮ ‬كقوةٍ‮ ‬كبرى كما انتهى الاتحاد السوفياتي‮ ‬منذ نحو ربع قرن‮. ‬

مقالات ذات صلة