-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
بعد ترسيم سحب الاعتذار والتعويض من قانون تجريم الاستعمار في الجزائر

هل اختفت حجج فرنسا للهروب من مسؤولياتها التاريخية؟

محمد مسلم
  • 191
  • 0
هل اختفت حجج فرنسا للهروب من مسؤولياتها التاريخية؟

قيطوني: صدمة الاستقلال تحُول دون تحمل الفرنسيين لما اقترفوه من جرائم
بوهيدل: باريس أمام حتمية النزول عند الحقيقة التاريخية بعيدا عن المزايدات

عندما رفع الجزائريون مطلب الاعتذار في وجه فرنسا عن جرائم الاستعمار الفرنسي في بلادهم، انبرى سياسيون وإعلاميون معروفون بتوجهاتهم اليمينية واليمينية المتطرفة، برفض هذا المطلب بحجة أنه ينطوي على خلفيات دينية، واختلقوا كلمة من عندهم هي “التوبة” (La repentance) كمسوغ لتبرير هذا الرفض.
وجاءت مصادقة البرلمان بغرفتيه على قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، مؤكدة على ضرورة اعتراف الدولة الفرنسية بجرائمها الاستعمارية في الجزائر، دون مطلبي الاعتذار والتعويض، لتسقط بذلك مسوغ الفرنسيين، في تطور وضع فرنسا في زاوية حادة، يحتم عليها التجاوب مع ما يعتبره البعض خطوة جزائرية نحو التهدئة، أو هكذا صوّرته الصحافة الفرنسية في تناولها الثلاثاء العاشر من مارس 2026، لمصادقة البرلمان الجزائري على القانون.
فهل يؤشر هذا على أن الفرنسيين باتوا يشعرون بأن الخطوة المقبلة بخصوص ملف الذاكرة الشائك، ستكون منهم؟ أم أن القضية أعقد مما يتصوره المراقبون بمن فيهم الفرنسيين الذين هللوا لإسقاط الطرف الجزائري مطلبي الاعتذار والتعويض عن جرائم فرنسا الاستعمارية في الجزائر؟
يرى المؤرخ والباحث في التاريخ الاستعماري بجامعة إيستر البريطانية، حسني قيطوني، أن ما ستجنيه الجزائر من سن قانون يجرم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، سيأخذ وقتا، وقال في تواصل مع “الشروق”، إن “هذا القانون لا يرجى من ورائه نتائج فورية. يمكن الحديث عن ثمار هذا القانون على المديين المتوسط والبعيد. هذا القانون سيكون خارطة طريق لتعاطي الجزائر مع ملف الذاكرة، ونبراسا لأولادنا في المستقبل، لكشف حقائق وخبايا ما عاناه الآباء والأجداد بسبب الاستعمار الفرنسي الغاشم”.
وعبّر الباحث بجامعة إيستر عن تشاؤمه بخصوص ما هو منتظر من فرنسا بهذا الخصوص، وأوضح: “ملف الذاكرة الاستعمارية في الجزائر ملف جد معقد لدى الفرنسيين. وأنا في اعتقادي أن الفرنسيين سوف لن يقدموا على أية خطوة. المسألة تتجاوز جرائم الحرب إلى المسائل الثقافية، ويمكن الاستئناس هنا بما فعلوه في سنة 2005، عندما قاموا بسن قانون يمجد ممارسات الاستعمار الفرنسي في المستعمرات السابقة، وهو القانون الذي تجاهل تماما ما خلفه الاستعمار الفرنسي من مآس في إفريقيا وفي غيرها، مقابل الحديث عن نقل الحضارة والمدنية وتطوير المجتمعات..” وردا على ذلك، يقول حسني قيطوني، إنه يتعين على الطرف الجزائري أن يبقي على ملف الذاكرة حيا وحاضرا في أي مشاريع ثنائية بين البلدين، ولاسيما ذات البعد الاقتصادي والثقافي، اللذين توليهما فرنسا أهمية بالغة.
وبرأي المتحدث، فإن الجزائر رسمت خارطة الطريق للأفارقة في كيفية التعاطي مع الاستعمار، من خلال الندوة التي نظمتها بقاعة المؤتمرات عبد اللطيف رحال في وقت سابق، وحضرها المؤرخون والمثقفون من مختلف البلدان الإفريقية، والتي شهدت إجماعا من قبل ضحايا هذه الظاهرة على ضرورة تجريمها.
ويعتقد الباحث في التاريخ أن الاستعمار الفرنسي للجزائر يختلف عن غيره في القارة، فقد كان استيطانيا وهو ما كان وراء قيام فرنسا بإنجاز بعض المشاريع اعتقادا منها بأنها ستبقى في الجزائر إلى الأبد، ولذلك شكل الاستقلال بالنسبة لفرنسا صدمة وهنا يكمن تعنت فرنسا، عكس بقية البلدان الإفريقية التي كان فيها الاستعمار استغلاليا، أي نهب الثروات وتسليط العبودية على شعوبها، من دون إنجاز مشاريع لصالح السكان المحليين، كما حصل في السنغال والكاميرون مثلا.
ومع ذلك، يبقى أمام الجزائر، وفق قيطوني، مطالب يتعين الاستمرار فيها، وهي ما تعلق بسرقة خزينة الدولة الجزائرية في سنة 1830، واستعادة الأرشيف وتنظيف أماكن التفجيرات النووية والكيميائية في الجنوب، وتسليم خريطة النفايات المدفونة، وتعويض ضحايا هذه التجارب، الذين لا يزالون يموتون إلى غاية اليوم بسببها، مع التشدد أيضا في قضية الاعتراف بجريمة الدولة الفرنسية، محذرا في الوقت ذاته من الاعتراف بالتقسيط، لأن ذلك يعتبر مفهوم استعماري لا يخدم سوى فرنسا.
بدوره، يدعو رضوان بوهيدل، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر، فرنسا إلى تحمل مسؤولياتها كاملة بسبب ماضيها الاستعماري، وشدد على أهمية اتخاذ “مبادرات تكون ملموسة ومن خلالها يمكن تجاوز شكل الخطابات الرمزية التي لا تقدم في الأمر شيئا، ويمكن أن نركز على عدد من الملفات بهذا الخصوص، مثل الاعتراف بالجرائم وهو أحد أهم وابرز المطالب الجزائرية، بشرط أن تكون رسمية وواضحة، من طرف الدولة الفرنسية، ممثلة في شخص الرئيس، تخص الفترة من 1830 إلى 1962، باعتبارها جرائم ضد الإنسانية وهذا سيخفف التوتر، كخطوة رمزية لمصالحة تاريخية مبنية على الحقيقة”.
كما شدد على حتمية تسليم وفتح الأرشيف الاستعماري الفرنسي المرتبط بالجزائر، مع تمكين الباحثين في هذا المجال ولاسيما من الجزائريين، بالإضافة إلى إعادة الأرشيف الخاص بالجزائر الموجود في فرنسا، من أجل إعادة كتابة التاريخ بشكل صحيح، خاصة ما تعلق بالثورة التحريرية وما رفقها من قمع استعماري وحشي للجزائريين.
وبخصوص التفجيرات النووية، يقول بوهيدل إن المطالب الجزائرية معروفة وهي تنظيف المناطق المتضررة من الإشعاعات كما قال الرئيس عبد المجيد تبون، وتسليم خرائط النفايات وهنا يمكن الذهاب، يضيف المتحدث، إلى ضرورة تعويض الضحايا من الإشعاعات “ولم لا نفرض على فرنسا التعاون في معالجة الضحايا والاستفادة من التجربة الفرنسية”، فضلا عن استرجاع الممتلكات والرموز التاريخية، وهي خطوة لا يمكن فصلها على الاعتراف الرسمي، وكذا تسليم رفاة وجماجم المقاومين، وهي مطالب لا يمكن المساومة فيها.
بالإضافة إلى الممتلكات الأثرية التي نهبت في فترة الاستعمار، بما فيها وثائق وكنوز، وفتح ملف المفقودين في الثورة، بحيث هناك الآلاف اختفوا أثناء الاعتقال التعسفي، والجزائر هنا تطالب بكشف الحقيقة عن مصير هؤلاء، وفتح ملف الأرشيف العسكري السري المتعلق بالاختفاءات القسرية، يضيف أستاذ العلوم السياسية، الذي تحدث أيضا عن ضرورة الاعتراف بكبرى المجازر مثل 8 ماي 1945.
ويخلص رضوان بوهيدل إلى القول “في اعتقادي الجزائر ترى أن معالجة الاستعمار وملف الذاكرة يجب ألا يبقيان عند مستوى التصريحات السياسية، بل الحقيقة التاريخية، وهذه الخطوات تعتبر أساسية لبناء علاقات طبيعية ومتوازنة بين البلدين”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!