هل الإضراب هو الحل الأمثل؟
كيف يمكن لمجلس اتحاد المحامين الجزائريين الذي لم تُسمع كلمته ولا آراؤه في عدة لقاءات مع رئيس لجنة المالية في البرلمان وممثلي وزارة المالية وبعد كل التطمينات التي تلقاها لإعادة النظر في قانون الضرائب المجحف في حق المحامين أن يسترجع حقوق آلاف المحامين عن طريق وقفة احتجاجية ومقاطعة العمل القضائي دون التفكير في أسلوب ناجع للدفاع عن المهنة من قوانين فرضها برلمان غير شرعي وصادقت عليها حكومة تصريف أعمال فاقدة للشرعية أيضا؟!
بعد الجدل الذي أثارته الضرائب الجديدة التي أقرها قانون المالية لسنة 2020 ودخلت حيز التنفيذ بمجرد صدورها في الجريدة الرسمية مع بداية جانفي الجاري، أعلن الاتحاد الوطني لمنظمات المحامين عن إضراب ومقاطعة الجلسات يوم 15/01/2020 في جميع الجهات القضائية كرد فعل ووسيلة للتنديد والاستنكار ضد هذه الضرائب.
الحقيقة أن الإضراب يعدُّ وسيلة أو أداة للضغط على جهة مسؤولة أو معتدية أو صاحبة سلطان من أجل أن تلبي مطالب ومصالح للمضربين، إنه وسيلة لتعطيل عمل حكومة أو إدارة مؤسسة أو مصالح لجهات خارجية من أجل تطويعها للقيام بعمل يرغب المضربون بإنجازه، وهذه وسيلة تستعملها المجموعات ذات المصالح والشعوب في كل دول العالم، ولهذا نجد دول الاستبداد ومؤسسات الاستغلاليين يعملون على منعها من أجل المحافظة على مصالحهم، ومن أجل عدم إحراجهم داخليا وخارجيا وفضح ممارساتهم ضد الذين يعملون ضمن حدود نفوذهم.
المفروض أن إضراب يوم 15 جانفي موجَّه ضد البرلمانيين والحكومة ووزير المالية تبعا لقانون المالية 2020 المشئوم الذي جعل من المحامي تاجرا يدُرُّ المال الوفير وليس خدمة إنسانية يتلقى مقابلها أتعابا، ونحن مطلوب منا أن نُضرب! نُضرب ضد من؟ وكيف يمكن لهذا الإضراب أن يضغط على المسؤولين لكي يتم التراجع عن القانون بقانون تكميلي أو استثناء المحامين بفرض ضريبة من المنبع؟ هل الحكومة و البرلمان موجودة في أروقة الحاكم أو بين المتقاضين الذين لا حول ولا قوة لهم في طلاقهم ودعاوى إعادة الإدراج لمناصب عملهم وغيرها من القضايا الإنسانية ولاسيما حريات الموقوفين من المساجين، دون أن ننسى الإحراج الكبير لدى الزميلات والزملاء اتجاه موكليهم وضغط تعطيل مصالحهم، لا يمكن اعتبار إضراب يوم الأربعاء إلا مجرد ضغط على الزميلات والزملاء وعلى المتقاضي الجزائري لا غير لأنه يعطل مصالحهم، ويعطل عملية السير الحسن للعدالة المنهكة أصلا بتداعيات الحَراك وما نتج عنه من إضراب المحامين والقضاة، في الواقع أننا سنضرب لكي نلحق الضرر بأنفسنا وليس بالحكومة ولا البرلمان على الرغم من أن النيّات ليست كذلك.
لكن، حتى لو توفرت النيّات الجيدة، فإن العقل العلمي والعملي يجب أن يكون الموجِّه الأول للنشاطات، هذا الإضراب مسألة اعتباطية تلحق الضرر بنا قبل غيرنا.. والمفروض أن يلحق الإضراب الضرر بالذين يلحقون الضرر بنا لا أن نضرّ أنفسنا.
ينبغي علينا في هذا المقام العودة إلى أصل المشكلة والتي تتمثل أساسا في أن البرلمان غير الشرعي الذي صادق على قانون المالية عشية انتخاب رئيس الجمهورية، فيه الكثير من عدم الدستورية، وهو ما يستوجب من المحامين ومجلس الاتحاد على وجه الخصوص الوقوف ضده بشكل جدي وعقلاني من خلال الطعن فيه أمام المحكمة الدستورية أولا، ومراسلة رئيس الجمهورية المنتخب ليمارس جميع صلاحياته كرئيس لا تفرض عليه قوانين في عهدته من حكومة تصريف أعمال وفق التسمية الرسمية لها ثانيا، والقيام بالمطالبة برحيل البرلمان المرفوض شعبيا، لكن للأسف الشديد أدَّت البهرجة النضالية في كثير من الأحيان إلى مثل هذه السلوكيات الخالية من الذكاء والتي لا تعدو كونها تصبُّ في خانة النضال الفولكلوري غير المنتج والمضر جدا، وقد جرَّبناه مرارا وتكرارا عبر الزمن ولم نجن منه أي فائدة على الإطلاق، ووجب التنبيه في هذا المقام إلى أن ما أعنيه بالنضال الفولكلوري هو علو الصوت الذي لا ارتداد له سوى الصدى، إذا كان هناك من يريد إلحاق نتيجة من قانون المالية والتراجع أو تعديل أو إنتاج منظومة ضريبية خاصة بنا كمحامين، فبإمكانه أن يعمل حثيثا على بناء نقابة محاماة وطنية موحدة يتجاوز عدد منسوبيها 45 ألف محام، متجاوزا كل المصالح الجهوية والنقابية، أو يمكنه وضع برامج لإعادة بناء نقابة محاماة قوية مستقلة قائمة بذاتها وأبنائها، وذلك بتبني سياسة الاعتماد على الذات، أو بناء منظومة قانونية وطنية واحدة موحدة تشترك في الدفاع عن الحق والقانون بدل أن تبقى الساحة خالية من هكذا منظومة.
ولا يمكن أن يتوفر كل هذا من دون التركيز على إقامة معايير أخلاقية وأسس ومبادئ للتعامل بين المحامين والسلطة من أجل أن تقوم العلاقات العامة على الثقة المتبادلة وليس الشك المتبادل، أو إعادة الاعتبار للندوة الوطنية للمحامين ودعوة جميع محامي الجزائر لها، والحقيقة أن هناك الكثير من الأمور التي بإمكان المحامي الجزائري أن يقوم بها وتؤثر بقوة في الساسة والسياسيين والبرلمانيين نغيِّر بها الوضع ككل وليس فقط قانون المالية المعيب شكلا وموضوعا بالرجوع لكرونولوجيا صدوره وتلحق بمن أراد الإضرار بالمحاماة ضررا وليس بالمتقاضي الجزائري.