الرأي

هل انتصرت الثورة .. أم الفلول؟ !

صالح عوض
  • 4098
  • 5

ما حدث في مصر يعتبر بلا شك مذهلا على أكثر من صعيد ليس أقلها ان الوقت المحدد لإجراء عملية الانتخاب ولجان الانتخاب لم تكن قادرة على استيعاب الناخبين المصريين الذين وقفوا في صفوف طويلة تحت قائضة الشمس الحارقة ساعات غير قليلة على مدار يومين اضطرت لجنة الانتخابات تمديدها لساعات اضافية..

ما حصل في مصر مذهل بلا شك لكل المراقبين ومثير لصناع القرار، ويدعو الجميع لإعادة الحسابات على المستوى الإقليمي والدولي.. فكيف لنا ان نعيد قراءة هذا الحدث الكبير بعيدا عن الاستنتاجات السريعة والمواقف المتعجلة.

أولا، لا بد من تسجيل الإعجاب بالتجربة المصرية في اختيار الرئيس بشفافية عالية وبأسلوب حضاري قلّ نظيره على المستوى العالمي وهو انجاز عظيم من انجازات الثورة وارتقاء بالفهم السياسي والممارسة السياسية والغاء لعهد الفرعنة بشكل حاسم.

ثانيا، ان نسب النتائج لكل مرشح والتي لم يزد اعلاها الا قليلا عن نسبة 25٪، تعني بوضوح انه متى امتلك الناس حق الاختيار فلا يوجد مقدس ينال 99٪، بل هناك تعدد يتناسب مع أفهام الناس ومصالحهم ورغباتهم وإرادتهم وهذا من شأنه ان يعلم المرشح للرئاسة درسا واضحا انه رئيس ليس بمؤيديه فقط، لذا عليه الانتباه للآخرين الذين لم يرشحوه والذين يشكلون الأغلبية في الوعاء الانتخابي، بل والمنتخبين..

ثالثا، ان الثورة فازت بمعدل اكثر من 75٪ من اصوات الناخبين على اعتبار انها مجموع ما تحصلت عليه القوى والشخصيات التي تتبنى الثورة وإسقاط النظام ورموزه .. وان الثورة المضادة التي كان شفيق رمزا لها لم تحصل على اكثر من 24٪ الا قليلا..

رابعا، ان الإخوان المسلمين كانوا ضمانة الثورة وحماتها بعد ان انطلق بها آلاف الشباب الثوري المصري واستطاعوا ان يتصدوا للبلطجية وحسموا المعركة مع النظام في موقعة الجمل عندما تقدم عشرات الآلاف من شباب الإخوان المنظمين والمدربين بقيادة د. البلتاجي واجهضوا مؤامرة النظام.. وهم اليوم امام واقعة جديدة، هم لا غيرهم يمكن ان ينقذ الثورة.. انها واقعة التصدي للفلول.. ويكون الإخوان بما امتازوا به من سعة التنظيم وانضباطه وانتشاره قادرين على القيام بالمهمة الجديدة.

خامسا، ان هناك قدرة مفاجئة حققها الإخوان في ادارة العملية الانتخابية، حيث يتبادر الى الذهن التساؤل الكبير كيف يتمكن الإخوان في ربع الساعة الأخير ان يدخلوا العملية الانتخابية بعد ان رفض طلب مرشحهم المتميز خيرت الشاطر.. دخلوا الانتخابات متأخرين وحققوا الرقم الأول في الانتخابات.

سادسا، ان النظام المصري لم يخرج من حيز الوجود الفعلي في المؤسسات والوزارات والمحافظين واجهزة الأمن والبلطجية التابعين للنظام السابق والمقدر عددهم بأكثر من مليون شخص، وكل ما حدث في مصر ان رمز النظام ورأسه خرج من الحكم.. وهناك قوة متحكمة في المجتمع المصري، تلك التي تركز الثروة في يدها وهي مع كل ما سبق ترى في نجاح الثورة خطرا على مستقبلها الاقتصادي والأمني.. اجتمع كل هذا خلف رمز الفلول السيد شفيق وضخوا من خلال ماكنة ضخمة ماليا وأمنيا وشراء ولاءات ما كان يكفي لحسم الجولة لصالحهم، الا انهم برغم كل ما بذلوه لم يحققوا وفي ظل حماية النظام نفسه اكثر من 24٪.

سابعا، لقد تم تأخير الإنتخابات الرئاسية وكتابة الدستور فترة تجاوزت ما وعد به الرئيس المصري المخلوع نفسه وظن اصحاب النظام ان مزيدا من التأخير سيكون ضروريا لكي تتم عملية غسيل دماغ للشعب المصري من خلال اشاعة الفوضى والفتن في الملاعب والأحياء والتفجيرات التي استهدفت المصانع والمنشآت وإثارة جو عدم الاستقرار، وفي ظل التشويش الرهيب على مجلس الشعب واثارة الشائعات عليه ومحاولة تتفيهه والقول للناس: “ها هي الثورة.. ماذا صنعت لكم؟”.

ثامنا، الروح الحضارية التي تحلى بها مرشحو الثورة والذين أسرعوا، وقبل ان تختتم عملية الفرز بالإعلان عن تضامنهم وانخراطهم في حملة الدكتور محمد مرسي، مما يعني اصطفاف قوى الثورة مرة ثانية في مواجهة النظام السابق.

تاسعا، ان روح عدم الإقصاء التي تحلت بها العملية السياسية في مصر حتى مع اعداء الثورة الذين استغلوا كل ما لدى النظام من امكانيات للعودة من الباب الشرعي.. ان الثورة اعطت النظام السابق الفرصة كاملة واقامت عليه الحجة انه لا يمثل الا ما يؤهله قيادة البلد.

اننا الآن امام الخطوة السهلة وهي اعادة الانتخابات وفوز الدكتور مرسي برئاسة الجمهورية وهذا بلا شك حدث كبير وتحول كبير في عقلية الإخوان المسلمين وخروجهم من فترة الابتلاء الى فترة التمكين، ولهذه المرحلة فقهها وسلوكها وثقافتها، وهنا سيكون الامتحان الأصعب على الإخوان، فلئن نجحوا بإتقان في تجاوز مرحلة الابتلاء الطويلة ولم ينحرفوا ولم يتطرفوا وظلوا راسخين على مبادئهم ووسطيتهم، فهل ينجحون في قيادة مصر واستيعاب التحديات المحلية والإقليمية والدولية..؟

وقبل ان تأتينا الإجابات متوسطة المدى، نتساءل هل يتمكن الإخوان من استيعاب قوى الثورة، ورموزها في مشروع واحد ضد الفلول وثقافتهم وألاعيبهم، ذلك ما ينبغي ان يكون عاجلا وجميعنا ينتظر.

مقالات ذات صلة