الرأي

هل تحسم عملية “المنبوذ الاقتصادي” المعركة لصالح ترامب؟

محمد بوالروايح
  • 61
  • 0

منذ 1979، تاريخ نهاية نظام شاه إيران محمد رضا بهلوي وإعلان الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فرض الرؤساء المتعاقبون على البيت الأبيض عقوبات اقتصادية على إيران، شملت الأصول والودائع المصرفية الإيرانية وغيرها، وفي مارس 1995، شددت إدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، من خلال الأمر التنفيذي رقم12957، الخناق على الصناعة النفطية الإيرانية وحظر تجارة الولايات المتحدة الأمريكية في صناعة النفط الإيرانية، وأتبعت ذلك بالأمر التنفيذي رقم 12959 الصادر في ماي 1995، الذي يحظر أي تعامل تجاري أمريكي مع إيران، وبررت إدارة كلينتون ذلك بانتهاج الرئيس الإيراني أكبر هاشمي رافسنجاني المنتمي إلى التيار المحافظ سياسة الأبواب الموصدة مع الولايات المتحدة التي ينظر إليها التيار المحافظ في إيران على أنها الشيطان الأكبر الذي لا سبيل للحوار معه بأي شكل من الأشكال.
وقد خفّت وطأة العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران شيئا قليلا في عهد الرئيس محمد خاتمي الذي ينظر إليه على أنه شخصية حوارية إصلاحية، شملت قطاعات تجارية محدودة هي الأدوية والمعدات الطبية والكافيار والسجاد الفارسي، ولكن هذا لم يمنع استمرار العقوبات الأمريكية على إيران في قطاعات أخرى أكثر حيوية.
ومنذ انتخاب الرئيس أحمدي نجاد في 2005، ساهمت معضلة تخصيب اليورانيوم من ازدياد حدة الصدام بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، والتي أدت إلى تكثيف عمليات التفتيش وبداية مفاوضات معقدة لم تسفر إلى حد الآن عن إطار توافقي يُنهي الصراع، ويفتح باب الحوار بين الغريمين.

إن استهداف قطاعات الطيران والشحن والذهب والتكنولوجيا الرقمية لن يمر حسب المنطق المالي والاقتصادي بردا وسلاما على إيران المنهكَة اقتصاديا كما تشير إلى ذلك التقارير الاقتصادية وكما يؤكده الواقع، فالحرب المزدوجة على إيران لا يمكن أن تُثمر رخاء اقتصاديا. ستزيد حدة هذه العقوبات الاقتصادية على إيران من حالة الإنهاك المالي الذي تميزه على الخصوص معضلة التضخم الذي أدى إلى انهيار الريال الإيراني في مقابل الدولار الأمريكي.

لم تختلف وتيرة العقوبات الأمريكية على إيران في عهد دبليو بوش والرؤساء الذين جاؤوا من بعده وإن كانت قد خفّت حدتها بين الفينة والأخرى. وكان لهذه العقوبات –كما أسلفت- تأثير على النظام المصرفي والقطاع النفطي وكذا الجبهة الاجتماعية في إيران، ولكنه لم يؤدّ إلى انهيار النظام ولا إلى عزلة إيران دوليا كما خططت لها أمريكا، لأن إيران استطاعت كسب تأييد بعض الدول الصديقة وفي مقدمتها روسيا والصين ودول أخرى استمرت في تعاملها التجاري مع إيران من باب وجود مصالح اقتصادية مشتركة ورفض السياسة الأمريكية القائمة على منطق أحادي يراعي المصالح الأمريكية ولا يراعي مصالح الدول الأخرى.
وقد حاولت الولايات المتحدة إقناع هذه الدول بعدالة سياستها تجاه إيران، وشرعية العقوبات المفروضة عليها ولكنها فشلت في ذلك، وقد امتد هذا الفشل من رفض العقوبات إلى رفض الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران وما ترتب عنها. إن السياسة الدولية –كما يقول المتخصصون في العلاقات الدولية- قائمة على المصلحة المتبادلة، والواقعُ السياسي الدولي يشير -بما لا يدع مجالا للشك- إلى أن مصلحة الصين وروسيا والدول الحليفة لإيران مع هذه الأخيرة أكبر من مصلحتها مع الولايات المتحدة، ولا تخلو هذه المعادلة بطبيعة الحال من خلفية أيديولوجية لا ينبغي إغفالها.
الآن، وبعد سلسلة من المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وبعد سلسلة أيضا من المفاوضات المتعثرة التي لم تفضِ إلى اتفاق بين الطرفين لسبب أو لآخر رغم جهود الوساطة القطرية والباكستانية، لجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب –بناء على توصيات من الخبراء الاستراتيجيين- إلى سلاح العقوبات الاقتصادية التي قال بشأنها إنها ستكون الأشد في التاريخ، وإنها ستؤدي إلى عزلة إيران ماليًّا، وستفضي إلى انهيار نظامها وإقامة نظام بديل ديمقراطي، يؤمن بنظرية “السلام” وغير معادٍ للولايات المتحدة وأوروبا والعالم، ويساهم في إعادة بناء النظام الدولي الجديد الذي يسعى ترامب إلى أن يكون حصاده الأبرز في عهدته الرئاسية الثانية والأخيرة قبل مغادرة البيت الأبيض في 20 يناير 2029.
يقول خبراء الاقتصاد إن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الخزانة الأمريكية على إيران بتوجيه من الرئيس ترامب لن تكون كسابقاتها لاختلاف وتيرتها ولسِعة دائرة الأنشطة التجارية والاقتصادية التي تستهدفها هذه العقوبات والتي ستؤدي -حسب تأكيدات ترامب- إلى عزلة مالية دولية غير مسبوقة لإيران، ولذلك سُمِّيت هذه العقوبات “عملية المنبوذ الاقتصادي” في إشارة إلى الوضع الذي ستكون عليه إيران بعد تنفيذ هذه العقوبات.
لكنّ إيران قلّلت من نجاعة هذه العقوبات وهددت بهجوم كاسح على المصالح الاقتصادية الأمريكية حيثما كانت، ولم تستثن أوروبا هذه المرة في حالة عدم اتخاذ الناتو قرارا بشأن تمركز طائرات التزويد بالوقود الأمريكية في بلغاريا التي تُتخذ -كما تقول السردية الإيرانية- كأرضية داعمة للعدوان الأمريكي على إيران، ومن ثمّ، فإن هذه الأخيرة تعدُّها هدفا مشروعا في حال لم يصدر الناتو قرارا صائبا وعادلا ومتوافقا مع القانون الدولي ومبادئ الشرعية الدولية.
هذا ملخص ما جاء على لسان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، الذي نقرُّ بحقه في الدفاع عن مصالح بلاده ضد أي تهديد، ولكن طبيعة الأزمة الحالية اقتصادية بامتياز وليست عسكرية، كما أن العمل على كسب تأييد أوروبا مطلوب ومرغوب ومقدم على محاولة “استفزازها” ولو دبلوماسيا لأن من مصلحة إيران في هذا الظرف العصيب كسب تأييد الاتحاد الأوروبي أو على الأقل الحصول على ضمانات من جانبه بعدم الانضمام إلى العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الخزانة الأمريكية على إيران.
إن حجم العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الخزانة الأمريكية على إيران يوحي بأن إيران ستتعرّض لضغطٍ اقتصادي عنيف لا مخرج منه إلا بإتِّباع دبلوماسية اقتصادية سلسة لكسب الدعم الدولي الذي هو العاصم في نظري من وقع هذه العقوبات الاقتصادية التي ليس من السهولة تجاوزها إلا بانتهاج هذه الدبلوماسية وكسب دعم الدول الحليفة والصديقة وعدم التفكير في كسب أعداء جدد.
إن العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة التي أعلن عنها وزير الخزانة الأمريكية سكوت بيسنت بتوجيه من الرئيس ترامب، تمس قطاعات إستراتيجية وازنة والتي تمثل شرايين الحياة الاقتصادية والمالية، وباستهدافها ستتعرض إيران لخسارة مالية كبيرة من الصعب تعويضها وتداركها في ظل تعدد جبهات المواجهة بينها وبين الولايات المتحدة. إن استهداف قطاعات الطيران والشحن والذهب والتكنولوجيا الرقمية لن يمر حسب المنطق المالي والاقتصادي بردا وسلاما على إيران المنهكَة اقتصاديا كما تشير إلى ذلك التقارير الاقتصادية وكما يؤكده الواقع، فالحرب المزدوجة على إيران لا يمكن أن تُثمر رخاء اقتصاديا. ستزيد حدة هذه العقوبات الاقتصادية على إيران من حالة الإنهاك المالي الذي تميزه على الخصوص معضلة التضخم الذي أدى إلى انهيار الريال الإيراني في مقابل الدولار الأمريكي، كما أن تحذير الدول الداعمة لإيران والمرتبطة بنظام الدولار الأمريكي سيزيد من مخاوفها وترددها في دعم إيران، لأن حرصها في هذه الحالة على مصالحها المالية مقدَّمٌ على كل شيء.
إن توسيع العقوبات لتشمل مؤسسة مالية دولية كبيرة قد يحسم هذه المرة –حسب رأي بعض الخبراء الماليين- المعركة مع إيران لصالحه. ولكن لا شيء مؤكد، فالمرحلة القادمة هي التي تؤكد ذلك أو تنفيه، لأنه من المحتمل أن يلجأ ترامب إلى عرض آخر بديل، وهو دعوة إيران إلى طاولة المفاوضات مجددا من أجل العقوبات فلننتظر لنرى إلى أين ستؤول الأمور.

مقالات ذات صلة