هل تصنيف شنغهاي معيار لجودة التعليم في الجامعات؟
مرّ 21 عامًا منذ إطلاق تصنيف شنغهاي للجامعات في عام 2003 بالصين. التصنيف، اعتمادًا على مجموعة من المعايير، يقوم سنويًا بإعداد قائمة لأفضل 1000 جامعة في العالم. اليوم، ومع تعدد تصنيفات الجامعات التي تصدر في أوقات مختلفة في السنة وتعتمد على معايير مختلفة، ما يجعل ترتيب الجامعات يختلف من تصنيف لآخر، يبقى تصنيف شنغهاي من أبرز هذه التصنيفات.
وينتظر الأكاديميون والمسؤولون، إضافة إلى وسائل الإعلام، صدور هذا التصنيف كل 15 أوت. فتتناوله وسائل الإعلام بالتحليل، ويسأل الصحفيون المسؤولين حول نتائج الجامعات، كما تعتبره الجامعات المذكورة في التصنيف كوسام استحقاق لمدى جودة التعليم فيها.
تم نشر تصنيف شنغهاي لأول مرة في جوان 2003 من قبل جامعة جياو تونغ في شنغهاي الصينية، وذلك بطلب من المسؤولين الصينيين لتقييم الجامعات الصينية ومعرفة مكانتها وسط الجامعات العالمية. وكان التصنيف يقدم قائمة لأفضل خمسمائة جامعة في العالم.
لقى تصنيف شنغهاي، وهو أول تصنيف للجامعات في العالم، نجاحًا واستُقبل باهتمام سواء عند الإعلام أو حتى الجامعات والأوساط الأكاديمية.
هذا الإهتمام يرجع البعض أسبابه لكونه أول عمل في هذا المجال وكذلك إلى ذلك “الفراغ” الموجود في فترة نشره، وهي الصيف حيث الجميع في عطلة، وانعدام النشاطات العلمية وحتى السياسية والثقافية منها تسبب للصحفيين صعوبة في تقديم تقاريرهم. وبالتالي يصفونه بالتصنيف “الإعلامي” لا “الأكاديمي”.
الإستقبال الجيد الذي وجده التصنيف دفع إلى استقلالية المؤسسة التي تصدره عن جامعة جياو تونغ، فأصبح منذ 2009 يصدر من طرف مؤسسة مستقلة وهي “شنغهاي رانكنغ كونسولتنسي“.
منهجية التصنيف
يتبع التصنيف منهجية محددة، ويعتمد على ستة مؤشرات موضوعية. وهي تتمثل، حسب ما نشرته “شنغهاي رانكنغ كونسولتنسي”، في عدد الخريجين الحائزين على جوائز نوبل وميداليات “فيلدز”، كذلك عدد الأساتذة السابقين الحائزين على جوائز نوبل وميداليات “فيلدز”، وعدد الباحثين الذين تم الاستشهاد بأعمالهم، وعدد المقالات المنشورة في مجلتي “Nature” و”Science”، إضافة إلى عدد المقالات المفهرسة في مؤشر “Science Citation Index – Expanded”، وعدد المقالات المفهرسة في مؤشر “Social Sciences Citation Index”. كما يشمل أداء الفرد في الجامعة بترجيح المؤشرات الخمسة مقسومًا على عدد الأساتذة الباحثين في الجامعة.
يتم تصنيف 1800 جامعة، ليتم في النهاية إعداد قائمة تضم أفضل 1000 جامعة على المستوى العالمي. يتميز تصنيف شنغهاي بالاستقرار في منهجيته والمؤشرات المدروسة، مما يسمح بمقارنة الجامعات على مر الفترات المختلفة، لكن نفس هذه المنهجية تعرف تحفظات أو حتى انتقادات من طرف الأوساط العلمية والأكاديمية.
تعتبر بعض الانتقادات أن هذه المعايير تخدم الجامعات الأنجلو ساكسونية دون غيرها من جامعات العالم، بسبب عراقة هذه الجامعات وحجمها الكبير، وكذلك استخدام اللغة الإنجليزية. فالجامعات الأنجلو ساكسونية، وبسبب عراقتها وكونها انتقائية نظرا لإمكانياتها المادية، يمكنها أن تضم في صفوفها أساتذة حائزين على جوائز نوبل أو جائزة فيلدز للرياضيات.
كما ينتقد آخرون هذا التصنيف بدعوى أن معاييره تميل أكثر للجانب البحثي للجامعات بدلاً من الجانب التعليمي. وتم نشر العديد من الأوراق البحثية التي حللت تصنيف شنغهاي والمعايير التي يعتمد عليها.
من بين هذه الأوراق، بحث بعنوان “هل يجب أن نصدق ترتيب شنغهاي؟” أعده ثلاثة باحثين: فيليب فينك، دينيس بويسو، وجان تشارلز بيلوت. وهي ورقة من 48 صفحة نشرت في ماي 2009. قام الباحثون بتحليل نقدي لتصنيف شنغهاي، حيث ناقشوا المعايير الستة وحللوا طريقة التجميع المتبعة من قبل معدي التصنيف.
المعايير المرتبطة بجائزة نوبل وميداليات فيلدز
اعتبر الباحثون أن هذين المعيارين يشكلان مشكلة خاصة بما أن الميداليات والجوائز تنسب إلى المؤسسة المضيفة وقت الإعلان. فإذا كانت جائزة فيلدز للرياضيات تمنح للباحثين الذين يقل عمرهم عن 40 عامًا، فجائزة نوبل تمنح بعد فترة طويلة من إجراء البحث.
يمكن للباحث أن ينجز بحثه حين يكون منتسبًا لمؤسسة معينة، ويتحصل على جائزة نوبل بعد فترة طويلة حين يكون قد غادر المؤسسة التي أنجز فيها العمل. والجائزة هنا ستنسب ليس إلى المؤسسة التي احتضنت البحث، بل للمؤسسة التي ينتمي إليها الباحث أثناء حصوله على جائزة نوبل.
كمثال، ألبرت أينشتاين، الذي قام ببحوثه أثناء عمله في مكتب براءات الاختراع السويسري في زيوريخ، في حين تحصل على جائزة نوبل بعد فترة طويلة حين كان منتسبًا إلى جامعة برلين.
الاستشهاد بالباحثين والمقالات المفهرسة
حول هذا المعيار، قال محررو الورقة البحثية أن إسناد المقالات إلى المؤسسة الصحيحة بعيد كل البعد من أن يكون مهمة سهلة، وهذا لعدد من المشاكل.
فمن المعروف أن المؤلفين لا يهتمون دائمًا بتوحيد معايير انتمائهم عندما ينشرون بحثًا. كذلك يصعب تحديد هوية مؤسسة الباحث حين يتعلق الأمر بالأوراق البحثية التي تنشرها المستشفيات الجامعية، والتي غالبًا ما يكون لها اسم وعنوان مخالف لاسم الجامعة.
كذلك حين يكون اسم الجامعة الرسمي بلغة غير الإنجليزية، حيث يقوم بعض الباحثين باستخدام الاسم الرسمي والذي تختلف كتابته بالإنجليزية من باحث لآخر، كما يقوم آخرون بترجمة الاسم للإنجليزية. الشيء الذي يمكن أن يسبب عدم الدقة في هذا المعيار.
أيضًا، كون قواعد البيانات لها ميل قوي نحو المنشورات باللغة الإنجليزية، يؤثر على الجامعات التي تنشر بلغات غير اللغة الإنجليزية، حيث تنشر بلغات البلد في مجالات مثل القانون، مما يحرم هذه المنشورات من التقييم.
الإنتاجية
يتم حساب هذا المعيار بالدرجة الإجمالية للمؤشرات الخمسة المذكورة أعلاه، مقسومة على عدد أعضاء هيئة التدريس بدوام كامل. كون هذا المعيار يعتمد على المعايير السابقة، فهو يتأثر بعدم الدقة في تحديد المعايير الخمسة الأخرى. كما أن “عضو هيئة التدريس” لم يتم تعريفه بدقة ويمكن تفسيره بعدة طرق مختلفة، مما يجعل احتمال حدوث اختلالات واردًا.