هل تقود مصر “عدوانا” على ليبيا؟
من لا يدين اغتيال 21 مصريا على أيدي ما يسمى بـ”داعش” أعتبره مشاركا في الجريمة، ومن حق مصر مطالبة الحكومة الليبية التي اعترفت بها تسليمها هؤلاء القتلة، لكن ليس من حق الطيران المصري قصف مدن ليبية بحجة “الانتقام ” لرعاياه أو مطالبة الأمم المتحدة بشرعية “العدوان” على ليبيا، وليس من حق أي دولة عربية أن تطالب الأمم المتحدة أو حلف الناتو بالتدخل في شأن دولة عربية أخرى.
إن ما قام به الطيران المصري وما يقوم به حاليا هو اعتداء على الأراضي الليبية، فهل تريد مصر تدمير “بقايا الدولة” الليبية أم تكرر تجربتها مع اليمن، أم أنها تريد أن تحقق ما لم تستطع تحقيقه في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين عندما انتقل إلى القاهرة وقال للرئيس المصري يومها “ليبيا عمق جزائري“.
إذا ما فكر اللواء عبد الفتاح السيسي في الدخول برا لمطاردة ما يسمى بـ(الجماعات الإرهابية) سيدفع بمصر نحو “الهاوية“، فهل يراد تحطيم الجيش المصري كما تم تحطيم الجيشين العراقي والسوري حتى تقسم الدول العربية ونعود إلى ما قبل الإسلام على طريقة حرب “داعس والغبراء“؟ ألم يدرك الحكام العرب أن كل ما نحن فيه الآن هو تدبير أوروبي أمريكي إسرائيلي وهم ينتظرون ساعة انهيار جيوشنا حتى يسهل عليهم استعمارنا بدون عناء وخسارة.
الحرب التي وقودها العرب
إذا فتحنا الباب أمام التدخل الأجنبي في الشأن الداخلي لبعضنا البعض، فقد فتحنا بابا لحروب أهلية تنتهي حتما باستعمار خارجي، لأننا سنمكنه من احتلالنا تحت أي ذريعة يختارها، ولهذا على مصر أن تراجع “قراراتها” كما سبق لها وأن راجعتها أمام الضربات والاعتداءات الصهيونية وهي في عقر دارها حتى لا تكون سباقة إلى “الانتحار” على أبواب بن غازي وطرابلس وبقية المدن الليبية.
هناك فرق بين إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل على الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين أو إرهاب الدولة الذي تمارسه امريكا على افغانستان والعراق وتمارسه حاليا على عدد من الدول العربية سواء تحت ما يسمى بـ “التحالف الدولي” أو مطاردة التنظيمات الارهابية وقياداتها في بعض الأقطار العربية والاسلامية وبين الارهاب الذي تمارسه التنظيمات الجهادية في الأقطار التي استهدفتها أمريكا بالاحتلال أو اسقاط نظامها وتسليح المعارضة فيها.
إن الضربات الجوية تخلف ضحايا بشرية وخسائر مادية ولن تستطيع الوصول إلى هدفها وهي عمل لا يختلف عمّا يقوم به الإرهابيون من “ذبح وحرق” أو “تنكيل” وهي فتوى أصدرها جامع الأزهر باسم الاسلام.
لا أعتقد أن وجود “تنظيمات إرهابية” في أي دولة يعطي الشرعية للتدخل العسكري في هذه الدولة، والشرعية الوحيدة هي دعم الدولة للقبض على المجرمين ومحاكمتهم على جرائمهم، ماذا لو تتدخل امريكا لضرب اهداف “إرهابية ” في سيناء الا يعد ذلك اعتداء على دولة عربية؟
أعتقد أننا سنقف ضد ذلك لأن مصر أرض عربية وهي قوتنا التي نحتمي بها لا القوة التي تعتدي على غيرها يوما ما وهي وحدها المخولة لاستئصال الارهاب من فوق أراضيها كما أن ليبيا هي وحدها المخولة لاستئصال الارهاب منها، فأين كان الجيش المصري والجيوش العربية عندما كانت إسرائيل تقصف غزة طيلة خمسين يوما فهل الفلسطينيون ليسوا “بشرا” أم أن غزة ليست قطعة من تراب فلسطين المحتلة؟
المؤكد أن النخب العربية تمارس النفاق العربي في دعمها للاعتداء المصري على ليبيا وإذا استثنينا القليل منهم كالكاتب عبد الباري عطوان فإننا لا نجد من ينصح مصر بالابتعاد عن المستنقع الليبي، وإذا كانت الجزائر في عهد الراحل هواري بومدين قد أوقفت تحرك السادات لقصف ليبيا فإن الجزائر اليوم أن تتحرك لتوقيف القصف وفتح حوار حقيقي بين جميع الليبيين دون الاعتراف بأي طرف يرفض المشاركة في الحوار.
لا أحد يستطيع أن يقضي على الإرهاب في بلده أو خارجه دون دراسة التجربة الجزائرية الارهاب يموت اذا خرج من بيئته الحاضنة له والثورات العربية دفعت بالثورة المضادة إلى دعم المسلحين ومحاربة من يريد الأمن والاستقرار لبلده، وإذا لم تحدث مصالحة حقيقية في مصر فإن الوضع الليبي سيزداد تدهورا.
مهما كانت مبررات التدخل المصري في ليبيا، فإن من حق الليبيين أن يدافعوا عن أرضهم مادامت مصر تخلت عن حمايتهم ومساعدتهم على حل مشاكلهم، والخوف هو من أن تمس الجالية المصرية في ليبيا والمقدرة بأكثر من مليون شخص وتدخل مصر في حرب مع الليبيين ستكون نتائجها وخيمة على الشعبين.