هل تنتهي القوامة عند حدود الاقتدار المالي؟
يربط تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية، بين الضغوط المالية وارتفاع مستويات القلق والتوتر والشعور بعدم الأمان لدى أغلب الرجال. فبالنسبة إلى كثير منهم، لا يتعلق الأمر بالقدرة على توفير الطعام واللباس، وضمان حياة كريمة، بل بصورة الذات والدور الذي يلعبه هذا الرجل في جعل من يعيلهم يشعرون بالراحة، ويلمسون قيمه كالكرم والسخاء، والتعاطف.. والاهتمام.
يحاول الرجل إبراز قيمه أكثر في المناسبات الخاصة، فوقوعه في موقف أنه لا يمتلك المال الكافي لجلب هدية تزرع السعادة، أو توفير ملابس راقية في العيد، أو ملء طاولة متكاملة، يؤثر على نفسيته، من حيث كونه كبح قيمه ورغباته في ممارسة رجولته بالشكل الذي يرغب به أهله خاصة. يقول رضوان مازحا، ولسان حاله يصف واقعه: “عندما أكون ميسور الحال، أشعر بمكانتي الثقيلة في البيت كزوج، وكأب، حيث تسألني زوجتي باستمرار عما أحب أن تطبخه لي، عكس الأيام التي أمر فيها بضائقة حين أجدها لا تستشيرني في شيء إطلاقا، حتى خروجها من البيت للتسوق، تقتصد قدر الإمكان وتدبر أمور الأسرة.. هذا الأمر يشعرني بالنقص”.. يضيف: “في وقتنا، الرجل الذي يدخل بيته دون أن يجلب متطلبات أهله، يتحول شفافا، لا يهتم له أحد، رغم حبهم وارتباطهم”.
ترجمات مختلفة للقيم.. المال وحده لا يعبر عن مكانة الرجل
الحقيقة، أن الدخل المحدود وارتفاع الأسعار، وكثرة الأعباء المتراكمة على ظهر أرباب الأسر، تضاف إليها كل الظروف الاجتماعية والاقتصادية مجتمعة، لا يمكن أن تحارب القيم الراسخة في الرجل الحقيقي، لكنها قد تخرجها مختلفة من خلال المعاملات اليومية، فالذي يحب أن يكون كريما سخيا مع أهله ينبذ البخل، حتى وإن لم يتمكن من العطاء المالي الكبير، وجعل الأسرة تملك ما تتمناه، فإنه لا يتوانى في أن يكون كريما في إعطاء المحيطين به من أسرة وأصدقاء، وقته واهتمامه ودعمه المعنوي، ولا يتردد في المشاركة بما هو متاح، فيكون حاضرا متى طلب”. أما الصراع الداخلي الذي تخلقه الحياة العصرية بين أن يلتزم الرجل بقيمه وأن يكون مضطرا إلى تأمين أسرته، فليس سوى وعي بالمسؤولية. تقول الأخصائية النفسية، نادية جوادي: “الشعور بالتقصير وضغط الصورة الاجتماعية التي ترسم الرجولة بملامح العطاء دائما، قد يتوقف لدى الرجل الذي يتمتع بمسؤولية عالية، عندما يشعر بأنه مضطر إلى توفير المال من أجل الأوقات الصعبة والمهمة، دون الاضطرار إلى الاستدانة، أو الوقوف عاجزا، ومن دون إلقاء اعتبار لنظرة المجتمع أو أحكامه.” تضيف الأخصائية: “صحيح أن هذا قد يقوده إلى العزلة أو الانسحاب الاجتماعي، يصبح متوترا أكثر وغير منسجم، كما ينبغي، مع محيطه، وقد يترك بعض السلوكيات التي تعبر عن قيمه، ولكنه يظل يحملها بأشكال مختلفة”.
القيم ثابتة رغم الظروف.. التسلط عند الاقتدار لا يصنع الرجولة
ترتبط قوامة الرجل في المجتمع الجزائري بالإنفاق، وترتبط بها قيم أخرى كالسخاء، فدوره الأساسي في الأسرة هو إعالتها وتوفير حاجياتها، فإذا كان قادرا على إجابة متطلبات أهله المعقولة نجده باسطا هيمنته ونفوذه، أما إن غاب هذا الدور، فإن مكانته تهتز غالبا، وقد تنتقل إلى الأم، إذا ما كانت عاملة قادرة على إدارة شؤون الأسرة التي يعجز عنها الزوج. وهنا، تكمن أهمية أن يحافظ الرجل على قيمه ثابتة، رغم كل الظروف، فيكرم أهله بالموجود، ولا يبخل بحجة الادخار. يشير الأستاذ لزهر زين الدين، خبير اجتماعي، إلى أنه: يمكن للرجل أن يعوض دخله المحدود بالحفاظ على قيم الرجولة وبالتزامه بالقيادة المسؤولة، وليس بفرض السيطرة. هذه الأخيرة يمكن أن تخلق نزاعات وخلافا دائما داخل الأسرة. فالرجل الذي يتحمل المسؤولية حتى وإن كان عاجزا عن مواكبة حاجات أهله كاملة، يعوض عدم قدرته المادية على توفير كل المتطلبات العصرية بحضوره المعنوي، وبتوفيره أشياء بسيطة وجوا أسريا، خاصة في المناسبات، حين تكثر المقارنات وتزيد حدة الأزمات الاجتماعية”.