الرأي

هل تنجح مشاريعُنا الفلاحية العملاقة مع الأمريكان بالجنوب؟

محمد سليم قلالة
  • 5333
  • 1

أن يُصبح الجنوب الجزائري مَصدر غذائنا، بعد أن كان مصدر ثروتنا منذ الاستقلال، حلم ما يزال يراودنا منذ عقود من الزمن. فشلنا في تحقيقه أكثر من مرة منذ ثمانينيات القرن الماضي رغم ملايير الدنانير التي خُصِّصت لذلك.. هل نُحقِّقه اليوم بالتعاون مع الأمريكان من خلال تلك المشاريع العملاقة التي شُرع في تحقيقها، أم أننا سنُصَاب مرة أخرى بخيبة أمل لأننا لم نتمكَّن بعد من فهم ما تريد الصحراء وما يُمكن أن تُعطيه، ولم نتعامل معها بالصدق الكافي الذي يجعلها لا تغمر مشاريعنا في رمالها الشاسعة لتصبح أثرا بعد عين؟

هناك بالفعل إشكالية في التعامل مع الجنوب الجزائري، إنْ في مجال المحروقات أو الزراعة. في الميدان الأول نعرف جميعا أنه لولا بترول الصحراء الجزائرية ما تمكـنَّا من تلبية أدنى حاجاتنا الأساسية، كان ذلك نعمة أو نقمة هي مشكلة أخرى لسنا اليوم بصدد الحديث عنها، المهمّ أننا بسبب هذه الثروة الباطنية أصبحنا دولة بترولية، وعشنا على نمط الدول المصدِّرة للبترول والغاز، وكانت البَرَكة  للصحراء في أن نصل إلى مستوى المعيشة الذي نعرفه اليوم، وإن لم نرضَ به، وإن تنكرنا كثيرا  للأرض صاحبة الفضل فيه ولم نَرُدّ لها الجميل كما ينبغي أن يُرَدّ. لم نبنِها أفضل من الشمال ولم نُمكِّن أهلها من أن يكونوا أنموذجا للحياة الرغيدة والمثلى رغم عددهم القليل والصعوبات الجَمَّة التي يعرفونها جراء قساوة المناخ وصعوبات العيش.. هي أيضا مسألة أخرى تتعلق بالتوازن الجهوي في توزيع الثورة ومشاريع التنمية المختلفة، أيضا لا نريد الخوض فيها اليوم رغم ضرورة ذلك بالنسبة إلى مستقبل البلاد في العقود القادمة.

ما نريد الحديث عنه في هذا المقال هو ذلك الميدان الثاني المتعلق بحُلمنا في أن نجعل من الجنوب الجزائري مصدر غذائنا بعد أن كان مصدر مداخيلنا وأموالنا. هل نجحت سياساتنا السابقة في ذلك؟ وهل ستنجح السياسات الحالية والمستقبلية التي تريد أن تقوم على شراكة جزائريةـ أمريكية في مجال إنتاج الحبوب والحليب واللحوم والخضراوات والبذور المختلفة فيما يُعرَف بالمشاريع الفلاحية العملاقة في الجنوب؟

بلادنا ليست اليوم بصدد خوض تجربة جديدة في مجال الإنتاج الفلاحي في الصحراء، بل بصدد القيام بمحاولة أخرى، وهذه المرة بشراكة أمريكية فيما أصبح يُعرف بالمشاريع العملاقة في ميدان إنتاج الحبوب والحليب واللحوم والخضروات…

لنعُد قليلا إلى الوراء، فكَّرت الجزائر باستمرار في  فرضية أن تكون الصحراء مصدر غذائنا واكتفائنا الذاتي منذ الاستقلال، وكانت أول محاولة “كبرى” لتجسيد هذه الفكرة في بداية الثمانينيات عندما صدر قانون الاستصلاح لسنة 1983. في تلك الفترة خضنا تجربة فلاحية في منطقة توات ـ قورارة ـ تيديكليت (عين صالح)، بدأت بتوزيع الأراضي على صغار الفلاحين ثم انتقلت في بداية التسعينيات إلى كبار المستثمرين القادمين في معظمهم من خارج القطاع الفلاحي، وانتهت إلى تجربة المركبات الفلاحية الغذائية في بداية الألفية الثالثة كما حدث في أدرار، إلا أن النتائج كانت سلبية للغاية، لم يتم تحقيق أي من الأهداف المسطرة. لم نستغل أكثر من 4.5 بالمائة من الأراضي الموَزَّعة، وانتهت الحقول الدائرية المسقية بالرش المحوري إلى أطلال في توات وقورارة، ولم يبق أي أثر لها في تيديكيلت، رغم حفر مئات الآبار (392 فقط للمساحات الكبرى) وخسارة ملايير الدنانير كقروض للمستثمرين أو كعتاد للري والرش والمحوري…

وكان أكبر مثال لهذا الفشل هو ذلك المشروع الفلاحي الذي أريد له أن يكون متكاملا بولاية أدرار، حيث تقرَّر استصلاح 30 ألف هكتار من الأراضي في بداية الألفية الحالية للفلاحة الصناعية (طماطم خاصة). وكانت البداية بـتخصيص 3500 هكتار مساحات مسقية بالرش المحوري، وبيوت عملاقة للخضروات (هكتار) تُفتح آليا للتهوية، ومحطة للتخصيب يتمُّ التحكّم فيها بواسطة الحواسيب من خلال مركز للمراقبة بتكنولوجية إسبانية، كما تم إنشاء مصنع للطماطم المُصبَّرة لتكتمل الدائرة ويُغلق كليا باب الفشل… إلا أن الذي حدث كان العكس تماما، حيث بعد مدة وجيزة تم غلق المركب الصناعي في سنة 2007، وبقيت ملايين الدنانير ديونا لدى شركة الكهرباء والغاز، وأخرى لدى بنك الفلاحة والتنمية الفلاحية، فضلا عن أجور عشرات العُمَّال غير المدفوعة وملفات عديدة على مستوى المحاكم… واستمر الوضع لما هو عليه أزيد من 8 سنوات عندما شُرع في القيام بتجربةٍ جديدة بذات المكان ولكن هذه المرة على يد أحد الخواص الذي بدأ في إعادة تشغيل المصنع سنة 2015.

أي إن بلادنا ليست اليوم بصدد خوض تجربة جديدة في مجال الإنتاج الفلاحي في الصحراء، بل بصدد القيام بمحاولة أخرى، وهذه المرة بشراكة أمريكية فيما أصبح يُعرف بالمشاريع العملاقة في ميدان إنتاج الحبوب والحليب واللحوم والخضروات…

هل ننجح في ذلك أم أنها ستكون محاولة كسابقاتها تنتهي بذهاب الأمريكان وبقاء ما أقاموه أطلالا أو شرائه من قبل خواص بأبخس الأثمان؟

اليوم يجري الحديث عن خبرة أمريكية واسعة في مجال المشاريع العملاقة، وعن مزارع نموذجية من 20 ألف هكتار للواحدة، بأكثر من منطقة من مناطق جنوبنا الواسع (البيّض، أدرار، بشار، بسكرة، الوادي، تيميمون… الخ)، وهناك تقديرات لمجلس الأعمال الجزائري ـ الأمريكي تقول إننا سننتج 200 مليون لتر حليب سنويا في مزرعة واحدة بالبيّض. كما سننتج بنفس المنطقة (البيّض فقط) سنويا 72 ألف طن من القمح الصلب، و76 ألف طن من الأعلاف، و76 ألف طن من الذرى، و385 ألف طن من البطاطا، وإن هذه المنتجات لن تكون معدَّلة جينيا، وستستهلك الحد الأدنى من الماء، وستستمدُّ طاقتها من الشمس أو من فضلات الأبقار وغيرها. وفي مجال العنصر البشري سيتم تكوين جزائريين للقيام بكافة مهام تركيب آليات الرش المحوري، وبعضهم الآن في الميدان، فضلا عن ضبط كل مراحل التخزين والتصنيع والتسويق… بما يعني أن هذه الشراكة لن تكون فشلا ذريعا كما حدث سابقا في أدرار، بل ستكون بداية انطلاقة للاكتفاء الذاتي ثم للتصدير نحو العالم.

هكذا يُصرِّح الطرف الجزائري في مجلس الأعمال الجزائري الأمريكي ويَعِدنا بتحقيق النتائج ابتداء من شهر ماي القادم، وهكذا علينا أن نترقب لنُقيِّم النتائج ونَحكم ما إذا كنا على الطريق الصحيح أم الخطأ؟

ما الذي علينا أن نتوقعه؟

بناء على التجربة الجزائرية السابقة، وبناء على تجارب عربية أخرى مع الأمريكيين يبدو أنه علينا ألا نحلم كثيرا، وأن نُفكر مرة أخرى في كيفية الإجابة عن سؤالنا الكبير: كيف نجعل من صحرائنا وبلادنا مصدر غذائنا اليوم وغدا؟

السعوديون تعاملوا مع الأمريكان لمدة ربع قرن، ضاعفوا إنتاج القمح بالصحراء 8 مرات وصدَّروا الفائض، غير أن ذلك كان على حساب التكلفة التي زادت عن 3 أضعاف السعر العالمي للقمح، مما اضطرهم في الأخير بعد كل تلك الخسائر، وضياع قرابة 100 مليار دولار، إلى توقيف المشروع منذ سنة 2007، وقد توقف نهائيا اليوم… حاولت الجماهيرية الليبية أيضا ذات المحاولة وفشلت وكذلك مصر في صحراء سيناء وتونس في الجنوب… وعلينا اليوم أن لا نُكِّرر ذات الأخطاء، سواء التي ارتكبناها كما في أدرار، أو التي ارتكبها الآخرون في بلدانهم… وقبل ذلك ألا ننتظر مرور 10 سنوات أو أكثر لنبيع بقايا المشاريع الأمريكية لخواص جزائريين من نوع خاص.. هذا إذا لم تكن كل المسألة هي هذه بالذات، بلا رؤية ولا رويّة ولا بحث عن إعادة الاعتبار للجنوب وأهله وصحرائنا الكبرى.

مقالات ذات صلة