الرأي

هل حان موعد الملكيّة المغربيّة مع القذف في البحر؟

من جُمعة إلى أخرى، تزداد وتيرة الغضب الشعبي في المغرب الشقيق، بخروج مئات الآلاف من المحتجين على كل شيء في المملكة المتهالكة، المنتفضين ضدّ الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي واختطاف الدولة وغياب الملك المريض واستشراء الفساد المؤسساتي وقمع الحريات، وتغلغل العلاقات مع الكيان الصهيوني إلى كل الدواليب العمومية.
تشير الإحصاءات من داخل المغرب إلى خروج أكثر من 100 تظاهرة شعبية بشكل دوري أسبوعي عبر كل ربوع المملكة، وقد زادت همجية الاحتلال الإسرائيلي في غزة منذ “طوفان الأقصى” من حنق الأشقاء المغاربة، نتيجة الخيانة الملكيّة وشعورهم بالإهانة أمام شعوب المنطقة، حيث كان يُفترض أن يكون موقع المغرب الطبيعي وموقفه منحازا إلى جانب الفلسطينيين، لكنه تحوّل، وفق حسابات القصر العلوي وسياسته الملعونة، إلى حليف مع العدو، متواطئ في قتل الإخوة بدم بارد.
الفقر ليس وضعا طارئا على الإخوة المغاربة، ومن الإجحاف النظر إلى انتفاضتهم المتصاعدة خلال الأشهر الأخيرة على أنها “ثورة الجياع”، خاصة أنّ قلبها النابض من الفئات الوسطى وحتّى النخبوية، وليست حكرا على المعدمين المعوزّين، لذلك، فهي في الأساس ثورة كرامة وشهامة ضدّ ملكيّة فاسدة ومتسلطة صارت عبئا عليهم، بفعل العجز عن التكفل بتطلعات المواطنين والسطو الملكي على كل خيرات البلد، بتواطؤ من حاشية البلاط المنتفعة، ثم بيع شرف الوطن في سوق النخاسة الدولية لأجل الحماية الخارجية.
من الواضح أن السحر انقلب على الساحر في لجوء النظام المغربي للجهر بالتطبيع مع الكيان الإسرائيلي، بل الذهاب فيه إلى مستويات متقدمة عربيا وغير مسبوقة، لأنه كان يراهن من خلاله على إنجاز جملة مكاسب “إستراتيجية” في تقديره الخائب، أبرزها ضمان حماية الأخطبوط الصهيوني العالمي للملكية المتآكلة، والاستقواء به في تثبيت احتلال الصحراء الغربية مع استمرار نهب ثرواتها الطبيعية، ثم تنفيذ مخططه العدائي باستهداف الجارة الشرقية الكبرى، مع تعبئة الشعب المغربي بشعار “الوحدة الترابية” المزعومة للالتفاف، ولو مؤقتا، حول شبح القيادة الملكية المغيّبة كليا، ومن ثمّة، التغطية على كل المفاسد والأورام التي تنخره من الداخل خلال العقود الأخيرة.
لكن شيئا من ذلك لم يتحقق، سوى التآمر المستمر على استقرار الجزائر وأمنها المجتمعي، في مقابل حالة من الغضب المتنامي ضدّ الخيارات الملكيّة، والتي لم يجد محمد السادس من سبيل سحري لمواجهتها، سوى الهروب إلى الخارج حتى إشعار آخر، وترك القصر رهينة صراعات مراكز القوى المتطاحنة وسط التدخلات الصهيونية، فلا هو قادر على تحدّي الوضع المنفجر ولا في مقدوره التراجع عن التطبيع!
ما تعيشه المملكة المغربية اليوم، من تراكم لحالة الرفض الشعبي، لدى كل الفئات والتوجهات، لم يكن له مثيل في تاريخ النظام العلوي، وهو ما ينذر أن نهايتها ستكون حتما مختلفة جذريا في اتجاه التغيير القادم.
لقد كان نظام الملكيّة على وشك السقوط خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين في ظل موجة التخلص من الأنظمة البائدة وقتها، لولا الحماية الفرنسية المسنودة بالإمبريالية الغربية، مع نأي الجزائر بنفسها عن التدخل في شؤون المغرب، لكن ليس في كل مرّة تسلم الجرّة، لأنّ التاريخ في طريقه نحو المستقبل لا يسير دائما في مسار مستقيم، بل ترسمه منحنيات الصعود والهبوط، مثلما يسجله المؤرخ الأمريكي أرلوند توينبي وعالم الاجتماع الألماني نوربيرتو إلياس والفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، فهل حان مجدّدا موعد السقوط الملكي؟
خزعبلات الدبلوماسية البلهاونيّة للمغرب في الكواليس الإقليمية والدولية تنبئ بشدّة الضعف الميداني في مواجهة التحرر الصحراوي، رغم دعم عواصم كبرى لمسمّى “الحكم الذاتي” الوهمي، لكنها لن توقف إرادة الصحراويين في طريقهم نحو الاستقلال الكامل مهما طال الزمن، ويوما ما، بل على الأرجح أنه صار قريبا، سيقف ساسة المملكة أمام المحاكم الدولية للمحاسبة على كل الممارسات الاحتلالية المتعلقة بانتهاك حقوق الإنسان أو نهب الثروات الطبيعية، لأنّ جرائم الاستعمار الجديد، على خلاف القديم، موثقة بكل جزئياتها وتفاصيلها اليومية.
أما الأخطر بالنسبة للقصر العلوي، فهو التفكير في مصيره المحتوم المشوب بالريبة الوجوديّة، لأنّ الانتفاضة الحالية، لا يُتوقع، وفق تجارب التاريخ والشعوب الأخرى عبر الجغرافيا الكونية، أن تقف شرارتها عند إسقاط التطبيع أو تلبية حاجيات اجتماعية قاهرة أو نيل حقوق سياسيّة مسلوبة، علما أن وضع المخزن حاليّا لا يسمح أصلا بالاستجابة لتلك التطلعات، بل ستمتد نارها إلى قلب القصر لتحرقه بمن فيه!
قبل عقد ونيف، كانت لنا زيارة عمل إلى المملكة، وفي لقاءات تواصل مع ممثلي فصيلين مغربيين، أحدهما إسلامي والآخر يساري، سمعنا مرارا عبارة “سنرمي بالملك إلى البحر”، لكن بدت لنا حينها أنها نبرة معارضة جذرية غير واقعيّة، بالنظر إلى ما كان يظهر من صلابة المؤسسة الملكية في الوعي الجمعي والوجدان الشعبي.
أما اليوم، فلا شكّ أن كل المؤشرات تثبت المنحى العكسي في علاقة المغاربة بالقصر العلوي الدخيل عليهم قبل قرونٍ، بفعل تجاوزه لكل الخطوط الحمراء في علاقة الشعب المغربي بانتمائه وهويته، ناهيك عن التحدّيات الاجتماعيّة الفتّاكة.
إن هذا النظام المنبوذ عالميا بفعل السلوك الاستعماري التوسعي البائد، ولوجوده على رأس الدول المنتجة والمروجة للمخدرات على نطاق دولي، فضلا عن عجزه المزمن في الاستجابة لطموحات مواطنيه وتفشّي اللصوصيّة في أوصاله الرسميّة واستعدائه لكل الشرائح المجتمعيّة بسياسات القمع والتسلّط، لا يمكنه منطقيا، وفق كافة المؤشرات القائمة، أن يصمد طويلا أمام قوانين التاريخ التي لا تحابي الطغاة، من الذين جعلوا أنفسهم آلهة توالى بالإكراه، حتى كادت تعبد من دون الله، وفي سير الظالمين الغابرين عبرة لأولي الألباب.

مقالات ذات صلة