-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل ستشهد الألفية الثالثة دورة حضارية إسلامية؟!

حمزة يدوغي
  • 2267
  • 0
هل ستشهد الألفية الثالثة دورة حضارية إسلامية؟!

إن المتأمل في الوضع الحضاري العام الذي يشهده عالمنا اليوم يدرك من دون شك أنه يعاني تناقضات تعكس أزمة قيم حادة قد تعود بالبشرية إلى عهود الجهل والظلام عندما يكرس من جديد منطق القوة ويصبح دستورا للعلاقات بين الشعوب والأمم، فيحل التوجس وسوء الظن بالآخر والتربص به محل الاستئناس والحوار والتعاون، ويسود مبدأ “خير الدفاع الهجوم” وما يستتبعه من سباق نحو التسلح بمفهومه العصري المتطور وما يتطلبه ذلك من الإنفاق بسخاء على حساب العمل من أجل القضاء على ثالوث التخلف “الجهل والفقر والمرض”!

ومما يزيد من تعقيد هذا الوضع وتعميق هذه الأزمة أن الكرة الأرضية أصبحت اليوم ـ كما نعلم جميعا ـ قرية إلكترونية متشابكة ـ بإمكان أي هزة تصيب جزءا قاصيا منها أن يحدث اضطرابا شديدا في الأجزاء القاصية الأخرى!.. كما أصبح لأي انتصار جديد يحققه الإنسان في مجال العلوم التكنولوجية والتجريبية تأثير مباشر في التفكير والسلوك، كل ذلك يجعل المجتمع البشري في قلق يغذيه خيال التوقع الكارثي نظرا لحالة التوتر التي تشهدها مناطق حساسة عديدة في العالم!

إن المتفائلين من المفكرين ورجال السياسة والدين يؤمنون بأن حجم الآلام التي عانتها البشرية خلال النصف الثاني من القرن العشرين وحده قد أكسبها نضجا ووعيا رشيدا بحتمية تعاون جميع بني البشر من أجل إقرار الأمن والسلام في العالم، غير أن هذا التفاؤل تحد منه ظواهر سلبية هي من إفرازات الحضارة الغربية المعاصرة، من ذلك ظاهرة العولمة التي كشفت، في عقدين من الزمن فقط، ما تنطوي عليه من تناقضات بين ما يعلن عنه من مبادئ وبين ما هو مجسد في الواقع المعيش بين الدعوة إلى التمكين لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام حق التميز، من جهة، وبين تكريس نزعة انتقائية إقصائية وأحادية تفرض على  الآخر إلغاء خصوصياته الدينية والثقافية والحضارية من جهة ثانية!..

إن هذا المتأمل نفسه المستشرق لآفاق الألفية الثالثة انطلاقا من الوضع الحضاري للعالم اليوم لو تفكر في أحوال المسلمين بصفة خاصة فإنه يقف دون عناء على التناقضات التي يعيشونها بين سمو العقيدة ووفرة العدد وسعة الرقعة وغنى الموارد وبين التخلف والضعف والتوجس من المستقبل والهجرة إلى الماضي والعيش على أمجاد السلف دون القدرة على إحياء القيم ذاتها التي صنعت تلك الأمجاد!.

وهذه التناقضات لها ـ من دون شك ـ أسباب عديدة ولكن يمكن اعتبارها كلها أعراضا مختلفة لمرض واحد هو اهتزاز مرجعيتهم الدينية والحضارية مما أفقدهم الثقة في أنفسهم وضخم في أعينهم التحديات التي يواجهونها في المستوى الداخلي والخارجي على حد سواء!

إن الدورات الحضارية الكبرى التي يشهدها التاريخ تقاس بالقرون، كما نعلم جميعا، لا بالعقود من الزمن، فانطلاقا من هذه القاعدة، واعتبارا لما يذهب إليه بعض المفكرين من أن الغرب استكمل دورته الحضارية بمفهوم ابن خلدون لا بمفهوم فوكوياما، واعتبارا لما يذهبون إليه، في مقابل ذلك من أن المسلمين قد بلغوا اليوم مرحلةالغثائيةالتي تعتبر نهاية الدورة الحضاريةالسلبيةفهل ستشهد الألفية الثالثة انبعاث كيان حضاري إسلامي موحد شامل يكون بديلا للحضارة الغربية الآفلة ورائدا ومنقذا للبشرية؟!

إن المسلمين الأولين انطلقوا من بوادي الحجاز ينشرون الهداية والنور ويعمرون الأرض بالخير، ويفتحون القلوب والعقول قبل أن تنفتح لهم المعاقل والحصون، ولم يكونوا يملكون من حطام الدنيا شيئا!

صحيح أن الزمان غير الزمان، ولكن الإنسان هو الإنسان! والقرآن الذي حوّلهم منرعاة الغنم إلى قادة الأممهو القرآن الذي يتلوه أحفادهم اليوم. والقاعدة الكبرى التي يقيم عليها الإسلام فلسفة النصر والهزيمة، سواء بالنسبة للفرد أو بالنسبة للشعوب والمجتمعات والأمم هي لأنها خالدة بخلود الآية الكريمة التي عبرت عنهاإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم“!

هذه القاعدة التي وجد المرحوم محمد البشير الإبراهيمي مصداقا لها في تاريخ الجزائر الحديث وعبر عن ذلك أروع تعبير في أول جمعة أقيمت بعد الاستقلال في جامع كتشاوة، قال رحمه الله: “تعالى جد ربنا، فقد تجلى بغضبه وسخطه على قوم فأحال فيهم مساجد التوحيد إلى كنائس التثليث، وتجلى برحمته ورضاه على قوم فأحال فيهم كنائس التثليث إلى مساجد التوحيد، وما ظلم الأولين ولا حابى الآخرين، ولكنها سننه الماضية في خلقه يتبعها أناس فيفلحون ويعرض عنها أناس فيخسرون!…”

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • نورالدين

    تصحيح للآية فقط : { ... و تلك الأيّــام نداولها بين النّاس ...} 140 آل عمران .
    و معذرة على التدخل .

  • منير

    سيدي الفاضل أنا أكن لك كل الإحترام منذ زمن دروس "عزيزي الطالب في التلفزيون " في الثمانيات أو قبل , و لكن الأمة ليست بخير , نحن حقا في عين الإعصار أو قل في قاع بئر سحيق , لا حضارة و لا هم يحزنون. حالنا الحاضر أسوء بكثير من حالنا يوم كنا تحت الإستعمار ؟

  • نورالدين الجزائري

    نحمل ما حملوه في زمنهم لأننا نعيش زمن غير زمنهم و ننظر بأعيننا لواقعنا و إلا نكون كالذي يقاتل بسيف من خشب الطواحن الهوائية. فنلغي الزمان و المكان لنعيش التاريخ و نلغي العقل لنهرب به من واقع إلى لا واقع ! فعندما غابت عنا موازين الحق في التغيير فشلنا في فهم حركة المحتوى في التنزيل و اعتمد مشايخنا على الفهم الترادفي للمعنى و الكلمات فأخطأنا في كل صحيح و أمتنا كل حيّ فذابت طاقتنا هدرا. الغرب فهم ظروف عصره في التغيير بدين مزيف فكيف لو أننا فهمنا واجبنا الحضاري بدين حق ؟! إن إسلامنا اليوم على طرف نقيض

  • BESS MAD

    سيدي كأنك تريد القول ما أمني به نفسي بأن حضارة الشرق ستعم العالم و تعود دورة الحياة و تصدق الآية (تلك الأيام نداوله بين الناس). أناس يقرأون التاريخ و يستشفون منه العبر و يخططون للأمد البعيد فأنشاوا مؤسسات استشرافية و مؤشرات تحذيرية فأنفقوا الغالي من أجل يوم لم يكن في الحسبان. سيدي، الغرب يستبق الأحداث و يصنعها كما يريد و يهدم متى يشاء و شعوب عاطفية لا عقلانية يخربون بيوتهم بأيديهم يستغلون أبشع الاستغلال. يستعملون كالسوط لجلد بعضهم البعض منتشين كالبهائم بخضرة مرعاهم اليوم دون الانتباه للغد. ابكي

  • نورالدين الجزائري

    وسيلة أن نحمّل علماء الأمة الذين توفوا و اندثروا فيما كتبوه أكبر مما يطيقونه ، فهم كتبوا في عصرهم و خاطبوا أحوال قومهم و لكل حال مقال . فهذا مثلا : الماوردي ظهر و برز تحت ظل الدولة السلجوقية 434 هـ و نظريته : الخلافة المطاعة دون شروط ! الغزالي و نظرية الضرورات تبيح المحضورات أبو المعالي الجويني ابن تيمية و محمد بن عبد الوهاب عليهم رحمة الله فيهم مَن اعتكف على حرب الشركيات في القبور و مَن بيّن للناس البدع في الأسماء و الصفات .. فلا نُحملّهم أكثر ما حملوه و لهم في نفس الوقت صوابهم و خطأهم ، و لا

  • نورالدين الجزائري

    مثل مفهوم : القضاء و القدر / مشكلة الحرية و المعرفة / نظرية الدولة / الإسلام و السياسة و تفسير التاريخ ..و الأدهى و الأمر أننا أصبحنا لا نبالي بهذا التشويش في فكرنا و في فشلنا الإرادي في الحركة و فشلنا حقا و لن نعترف ! مازلنا نعاني من منهج علمي موضوعي في التطبيق ، و فقدنا نظرية التفاعل المبدع بفكرة المعرفة . لينتج لنا فيروس مدمر لكل الكائنات ألا و هو التفكك الفكري و التعصب المذهبي باللجوء إلى أفكار مضى عليها الزمن ..
    الوجود في الأعيان و صورة الموجودات في الذهان ؟
    لا يجوز لنا حقا و عدلا و لا

  • نورالدين الجزائري

    لاسيما الإسلام نشأ حنيفيا Compartible متطورا و ليس هنا للإنصياع الأعمى . نرى دعاة الإسلام عامة و خطباء المنابر خاصة يطرحون الإسلام : أدبيات عقائدية و سلوك ، كأنه واقف أما مرآة يخاطب في نفسه بشعارات براقة ، و مفاهيم عامة لا تعدوا إلا أصوات من الطبيعة عابرة غادرة ( لهذا نرى في وقت الخطبة سبب نيام الناس أو لعبهم بالحصى أو النظر من الحين إلى الحينة في ساعاتهم !! ) . دون الغوص في العمق الحقيقي المقصدي للدين، فأنغرست أقدامنا و تجمد فكرنا في مفاهيم سطحية معوّقة و يا ريت يا ريت ! أننا فهمناها صوابا ؟!!

  • نورالدين الجزائري

    و حسب ظني أن أي حركة تغيير أو جماعة تنظير و إصلاح ـ عامة لا أخصص ـ تفتقد لعنصر النيّة الحسنة مما يجبرها لإستعمال الحيّلة و النفاق فلن يبارك الله تعالى في عملها بعدم فهمها للنص الشرعي ، فيؤدي هذا إلى صراعات في جماعتها أو حزبها أو أفكار نظامها لتحدث إنشقاقات فينتقل الحزب إن كان معارض أو سلطة إن كانت حاكمة من بناء مجتمع إلى ترميم إنشقاقاته المتصدعة في كل شأن ليطفو في الأفق تضارب المصالح الدنياوية بين قادتها و ركوب الموج لا صناعته !
    النص التشريعي يتطور و لا يتغير ! : فيه قابلية التطور المهولة جدا

  • نورالدين الجزائري

    إن الفرق الإسلامية و هي بالذات الحديث عنها لأنها مسؤولة على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بكل أطيّافه لما لها من حرية الحركة فيه و لا بيدها وسيلة الإكراه فهي ليست سلطة تكره الناس بل تستقيم و تنصح .. إلا أنها تحاول عبثا و هدرا أن تُنشأ مجتمع مثالي ( في مخيلتها ) مجدد ضاربة عرض الحائط بكل سنن الكون المتغيّرة في المجتمعات ، فهي لم تفهم النص القرآني و جهلّت تطبيقه على نفسها و تصادمت به مع مجتمعها ، و أقل ما يقال فيها أنها فرق تفريق لا جماعات تجميع فأسدت و ما أصلحت ! لأنها قاصرة عن ادراك المسمى .

  • نورالدين الجزائري

    جدلية العرف و التراث و المتغيّر المتجدد !
    لكل أمة على الأرض إلا و لها تراث لا يُنكر و لا يُلغى لأنه جزء من وجودها ، و عندما حلّ الإسلام بأوطان الجزيرة و إنتشر في أسقاع معمورتنا ، لم يلغي ذلك الموروث الثقافي الكبير من شعر / مجالس الملاء و اتفاقيات التجارة الدولية آنذاك بين مكة عاصمة الحجاز و بين الشام و اليمن.. بل جاء التنزيل الحكيم بسورة سماها بــ : الأعراف من العُرف و المعروف بالرغم من أن هذا الدين (الجديد) أتى بتوحيد يختلف عن اعتقاد الناس السائد في مجتمعهم أصلا و فرعا .
    حاضرنا و تفكيرنا ؟!!