هل ستُنجب الجزائر مناضلين من طراز آيت أحمد؟
ودّع الجزائريون أمس، وإلى الأبد، الزعيم “الدا الحسين”، حيث شيّعوه إلى مثواه الأخير بعين الحمام، في جنازة وطنية مهيبة، حجّ لها المواطنون من كلّ حدب وصوب، وقبلها تدافعوا بمئات الآلاف ليلة الخميس، لإلقاء النظرة الأخيرة على نعشه بمقرّ الأفافاس، في موقف لم تشهده البلاد منذ وفاة قائديها “هواري بومدين” و”سي الطيب”، وقد عكس التعاطف الكبير في فقدان حسين آيت أحمد، تلك المكانة الراسخة التي يحتلّها في قلوب أبناء شعبه، على مختلف مشاربهم، وأعمارهم، ومناطقهم، فالرجل لم يكن أمازيغيّا، ولا حتّى قبائليّا، وعاش أكبر من جبهة القوى الاشتراكية، إذ عرفته الأجيال المتعاقبة، منذ ميلاد الحركة الوطنية وإلى غاية اليوم، مرورا بالثورة التحريرية، كما ذاع صيته في أصقاع العالم، مُنافحًا عن القيم الإنسانية وكرامة الشعوب، طيلة عقود من الزمن، تُحسب بأعمار الرجال والهيئات، قضّاها مناضلا دون كلل ولا ملل، فكان بذلك شخصية عابرة للأوطان والقارّات والمنظّمات، وشّكل موته حدثا كونيّا بكلّ المقاييس.
قد نتّفق وقد نختلف، حول بعض المواقف والمراحل في مسار قامة شاهقة في مقام آيت أحمد، لكن لا نملك إلا الاعتراف والانحناء أمام مسيرته العظيمة التي توشّحت بالجهاد لأجل الأرض والعرض، وزانها النضال في سبيل الحريات والديمقراطية، فما بدّل ولا حوّل في خياراته، مُكابدا آلام السجون وغربة المنافي، في عهدي الاحتلال والاستقلال، حتى بلغ من العمر عتيّا .
“الدا الحسين” ليس ملاكا، ولا يمكن أن يرتفع إلى منزلة المرسلين والأنبياء، بل هو من سائر البشر، قد يخطئ مثلما يصيب في كثير من الآراء والقناعات، لكنّه من طينة الأبطال العظماء، وعلى هذه الأجيال أن تحتفي بمناقبه الوطنية، وتستلهم من مُثله الإنسانية العليا، بما يُنير طريقها لاستكمال رسالة الشهداء، في بناء دولة على الأسس النوفمبرية المجيدة .
آيت أحمد، مهري، نحناح، الهاشمي شريف وآخرون… رعيل فذّ
بوفاة الزعيم “الدا الحسين”، يستحضر الجزائريون خصال ذلك الجيل السياسي الفذّ، الذي تشكّل عماده، على سبيل المثال لا الحصر، من المرحوم عبد الحميد مهري، الشيخ محفوظ نحناح، عبد الله جاب الله، وحتى عرّاب الشيوعية الهاشمي الشريف، وآخرين لا يسع المقال لذكرهم، وعلى اختلاف مذاهبهم الأيديولوجية، فإنهم يشتركون في قيمة النضال، والاستماتة في الدفاع عن أفكارهم، والتأسيس لتيارات سياسية واجتماعية متجذّرة، صنعت عهد التحولات الكبرى نحو التعدّدية والانفتاح، ثم خاضت مأزق الأزمة التي عصفت بالبلاد والعباد خلال العشرية الحمراء، فظلّوا محلّ احترام لدى خصومهم قبل الأنصار.
لا شكّ أن ذلك الجيل الذهبي في التجربة السياسية الجزائرية، قد صقلته الظروف التاريخية، المحليّة منها والدولية، وأثّرت في بناء شخصيته السياقات الوطنيّة المفعمة بالرهانات، فكانت ولادته في مستوى التحديّات، وعلى قدر الصّعاب علتْ الهمم والطموحات، وفق مقولة عبد الرحمان الكواكبي “إن الأزمة تلد الهمة، ولا يتّسع الأمر إلا إذا ضاق”، فجاء جيل يهوى ركوب المخاطر، ويزهد في مغريات السلطة حينما تتعارض مع “الذات”، وبذلك عاش ومات عصيّا على الترويض والتدجيل.
هل يتكرّر جيل آيت أحمد…؟
بعيدا عن فلسفة ونظريات الصراع بين الأجيال، حيث يعتقد البعض في الغالب، أنّ السلف خير من الخلف، ربّما بفعل الرواية الأسطورية للتاريخ، أو الإخفاق في صناعة الحاضر، فإنّ الحقيقة الحضارية التي لا مراء فيها، هي أن لكلّ مرحلة رجالها، يولدون من رحم الآلام والآمال التي تعانق أشواقهم، فيظهر بعد الزمن الثوري، زعماء جدد، في صورة قادة دولة، ومناضلين في قضايا الشأن العام، أو علماء في ميادين حسّاسة، غير أن “كاريزما” الزعامة ومؤهلاتها، تختلف من عصر إلى آخر، في عالم تحكمه اليوم المعرفة والأفكار، في إطار المؤسسات، حيث يتقلّص مفهوم الشخص العبقري لصالح العمل التشاركي.
ومع ذلك، فإنّ التطلّع لصناعة آيت أحمد جديد، ونحناح آخر، ومهري بديل، يبقى ضروريّا، على الصعيد القيْميّ والأخلاقي والسياسي والإنساني، لأنهم نماذج بشرية نادرة، كم نحن الآن بحاجة إلى فكرها وطُهرها والتزامها، في زمن الردّة والرداءة، وفي واقع تأسره المنافع والماديّات، وتتوارى فيه المبادئ والإخلاص.
تلك هي مسؤولية السلطة السياسية في توفير مقومات المناخ النقيّ للتنشئة القيادية السليمة، ودور النخب بكلّ مكوناتها في الالتزام الصادق بهموم الوطن والأمة، وإلى أن يرفع جيل الألفية الجديدة مشعل الجزائر عاليا، سيبقى الوطن يبكي رموزه إلى إشعار آخر.