هل سيقع “ترامب” في فخ إيران؟
هل سيقع “دونالد ترامب” في فخ إيران بعد أن أوقَع “مادورو” في الفخ؟ أم سيتراجع في الوقت المناسب؟
يبدو أن الحدثين مترابطان إلى حد بعيد.الحدث الأول يرمز إلى قوة كبرى تحسم الصراع مع دولة نامية في ساعات وتعتقل رئيسها من دون أية خسائر، ثم تستغل ذلك في الترويج لقوتها الخارقة خارجيا والعمل على التخفيف من حدة التوتر الداخلي من خلال الوعد بالمكاسب الناتجة عن السيطرة على بترول هذه الدولة النامية وثرواتها… أما الحدث الثاني فيرمز لذات القوة الكبرى، وهي مُنتَشِية بالانتصار السريع الأول، تسعى للاستمرار في الطريق ذاته، بسط نفوذها حول جزء آخر هام من العالم، وإرسال رسالة للداخل المنتفِض جراء قوانين الهجرة بأننا نعمل لصالحكم في الشرق الأوسط، حيث أكثر من 50% من الاحتياطي العالمي للبترول و40% من الاحتياطي العالمي من الغاز…
-القراءة الأولي لهذين الحدثين المترابطين تقول أن “ترامب” بما جنّد من قوات عسكرية ضخمة سيتمكن من تحقيق هدفه الثاني وستتمكن الولايات المتحدة من فرض نفسها كإِمبراطورية عالمية لسنوات عدة أخرى من دون منازع وتنجح مشاريعها المعروفة تباعا: تعزيز دور “إسرائيل” كقوة مهيمِنة وحارس للوجود الأمريكي، إعطاء مصداقية لما يُعرَف بمجلس السلام العالمي، التحكم في مصادر تموين الصين بالطاقة والضغط عليها من خلال ذلك، فرض منطق السلام الأمريكي عن طريق القوة في شكل Pax Americana ، إلى جانب فرض منطق السلام التكنولوجي عالميا من خلال ما يُعرف بـ Pax Silica والسيطرة على كامل الجزء الغربي من الكرة الأرضية إلى جانب أهم ما يمكن السيطرة عليه في الجزء الشرقي، وهكذا يكون الرئيس “ترامب” قد حقق شعاره المُعلَن: جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى MAGA …
-أما القراءة الثانية فتقول العكس: الولايات المتحدة الأمريكية ستكون في مأزق كبير أمام إيران ناتج عن عدة أسباب موضوعية لعل أهمها:
-أولا: تحقيق الهدف في فنزويلا أدى إلى رفع سقف التوقعات داخليا ولم يبق أمام “ترامب” إلا أن يفعل أفضل مما فعل في فنزويلا أو سيُعَد فاشلا في نظر الرأي العام الداخلي والعالمي.
-ثانيا: استثمرت وسائل الإعلام الأمريكية استثمارا واسعا في تجربة اعتقال “مادورو” ودخلت في سرديات وصلت إلي حد الخيال (أسلحة سرّية، قوة خارقة… الخ) وقد أصبحت هذه السرديات عبءا كبيرا على هذه القوات، يكفي إيران مجرد الرد على الضربة الأولى وصمودها لأيامٍ لتنهار معنويات الداخل الأمريكي وتتقلص الحلول أمام الجيش الأمريكي.
-ثالثا: تربص القِوى الكبرى بالولايات المتحدة في هذه المنطقة لهزيمتها بطريقة غير مباشرة وإلغاء كل ما ادعته من انتصار في فنزويلا لن يلعب في صالح القوات الأمريكية.
-رابعا: وهو الأخطر من ذلك والأكثر احتمالا، امكانية جر الولايات المتحدة وهي القوة العسكرية الأولى في العالم إلى حرب مع قوى دون الدولة (المقاومات الشعبية) لا تملك جيوشا تقليدية يمكن هزيمتها عسكريا، سواء أكانت في اليمن أو العراق أو لبنان أوإيران أو الصومال… وفي غيرها من المناطق، مما سيضعف صورة الجيش الأمريكي أمام العالم وأمام الرأي العام الداخلي (ويطيح من قدره) مهما حقق من أهداف تدميرية…
هذه الأسباب تجعلنا نقول أن الولايات في آخر المطاف هي أمام مخاطرة عالية بالخسارة اليوم، كما خسرت الإمبراطورية اليابانية الحرب ضد الصين وانتهت بهزيمتها في الحرب العالمية الثانية بعد أن انتشت بالانتصار الأول في منشوريا سنة 1931، بل وكما خسرت روما طابعها الجمهوري بعد انتصاراتها السريعة في الحرب الغالية (القبائل الكلتية) سنة 58-50 ق.م، وتحول طابع الحكم فيها تماما بعد (مرحلة حكم يوليوس قيصر) إلى الطابع الإمبراطوري… وقس على ذلك باقي الامبراطوريات والقوى الكبرى (الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، ألمانيا النازية… الخ): الانتصارات الأولى كانت دائما الطُّعم للبحث عن انتصارات أكبر فأكبر إلى أن يحدث الانهيار… والولايات المتحدة ليست ببعيدة عن هذا المنطق… وإن غامرت في إيران فستكون مثالا آخر في التاريخ لِمن لا يعتبر…