-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل صحيح أن الحقيقة تكتشف في المنفى فقط؟

عمر أزراج
  • 1567
  • 4
هل صحيح أن الحقيقة تكتشف في المنفى فقط؟

وأنا على متن قطار الانفاق الرمادي باتجاه محطة “كينغز كروس” الواقعة بوسط لندن التي تعني في اللغة العربية “تقاطع الملوك”، انثالت على شاشة مخيلتي، ومن كل حدب وصوب، ذكريات شتَى في شكل كرنفال متعدد الألوان، لقد اخترت أن أنزل في هذه المحطة، التي تمثل إحدى معالم هوية لندن، لأنها المكان الذي كان قد سبق لي أن نزلت فيه في إحدى زياراتي السابقة لبريطانيا، وحيث أقمت لمدة أسبوع بفندق من الفنادق التي توجد هناك، إلى جانب هذا السبب فقد صنعت أيضا مع هذا المكان الألفة، ربما لكونه مفتوحا على محطات أخرى قريبة من قلب المدينة، وربما لأن فيه عدد كبير من الغرباء الذين كانوا يأتون ويرحلون بدون توقف، سواء في بداية الليل أوفي لحظات انسحابه، ليترك المجال لضوء النهار ليتمدد على وجوه العمال الذاهبين إلى عملهم، لقد كان قطار الانفاق بطيئا في سيره جراء توقفه في كل محطة من المحطات الكثيرة، ولقد سبَب لي ذلك البطء قلقا لاسعا مثل العقرب الذي يفاجئ ضحاياه، في تلك اللحظات تمنيت بلهفة لو أنه أسرع قليلا حتى أصل إلى غايتي قبل أن يحاصرني ليل القطب الشمالي.

وأنا في الطريق كنت أستمع إلى صرير العجلات الحديدية لذلك القطار، ولم ينقذني من عويلها سوى استعادتي لكثير من صور الماضي الذي عشته في الجزائر، سواء في فترة الاستعمار الفرنسي عندما كنت طفلا من أطفال الحرب الجزائرية – الفرنسية، أوفي بدايات الاستقلال عندما حاصرتني من الخلف ومن الأمام الرجولة المبكرة جدا، أعتقد أن علماء النفس على حق في قولهم بأن المسجونين بالسجن المؤبد وأنَ المنفيين بالقوة من بلدانهم  إلى المنافي البعيدة بلا رجعة يحتفظون على بنيتهم النفسية السوية، أو يستمرون في الحياة غالبا، بفضل ما خزنته ذاكرتهم من تفاصيل عوالم طفولتهم المدهشة، وبفضل استعادتهم لتلك العوالم في أحلامهم، أو في الحكايات التي يسردونها للناس الجدد الذين وفدوا توَا على حياتهم في منافيهم أو في السجون التي تغرقهم في النسيان، لاشكَ أن معالم الطفولة ليست مجرد لوحات معلقة في الماضي البعيد بل إنها توفر”اتصالا بين وحدة الحالم ووحدات الطفولة” كما يحلو للمفكر غاستون باشلار أن يقول لنا في بحثه الرائع عن الطاقة الشعرية التي تزوّدنا بها حقول الطفولة المسيّجة بالسذاجة وبأعشاش البراءة، والحق مع باشلار أيضا عندما يرى على نحو مؤكد أنه ينبغي أن نعترف جميعا “بديمومة نواة الطفولة في الروح الإنسانية، ثابتة ولكن دوما حيَة، خارج التاريخ، مخبأة على الأخرين، مقنَعة عندما يقصها الآخرون….”.

نعم، فإنَ الطفولة تكون أحيانا مخبأة وأحيانا أخرى مقنَعة، ولكنها لا توجد خارج التاريخ، كما يرى باشلار لأن من تكون له كينونة مرئية أو قابلة أن تكون مرئية فهو مشروط بإطاري الزمان والفضاء/المكان، أي بشرط التاريخ، أمَا اختباء واختفاء صور الطفولة في اللاوعي البشري فهو أمر، يؤكد وجودها في التاريخ لأن اللاوعي البشري ومضامينه المضمرة ليست مجتمعة إلاَ جزء من التاريخ المنسي أو المقموع للفرد.

بهذا المعنى فإن اللاوعي ركن تاريخي من أركان البنية الكلية لذات الانسان، من بين الصور التي كانت تدق على بوابة بمخيلتي في تلك الرحلة باتجاه محطة “كينغز كروس” صور الكتب التي كنت أراها موضوعة على الأرض في سوق كل يوم خميس ببلدة تازمالت التي تبعد عن مدينة بجاية بمسافة 60 كلم تقريبا، والتي كان يبيعها حينذاك شاب طويل القامة ومفتوح الكفين دائما وهو من مدينة

 “أقبو”، بثمن جدَ معقول وكان اسمه مولود بن عيشه، وهو الرجل الذي أصبح فيما بعد من أقرب معارفي وأصدقائي حتى هذه اللحظات من حياتي، إن منظر تلك الكتب قد استدعى بدوره، وأنا أتحرك ذات اليمين وذات الشمال بداخل ذلك القطار الرمادي، منظرا لكتب أخرى  كنت أراها في الماضي أيضا، موضوعة على الأرض للبيع في أماكن مختلفة من جغرافيا بلدي الجزائر، وكان بينها كتاب من الحجم الكبير يحمل عنوان: “الحقيقة تكتشف في المنفى”. أذكر أنني قد حاولت مرارا أن أشتري ذلك الكتاب، ولكن رياح الحظ لم تحرك أشرعتي  بسبب عدم كفاية النقود التي كانت معي حينا، وحينا آخر بسبب تفضيلي كتاب آخر عليه، على أية حال فقد بقي هاجس شراء ذلك الكتاب يراودني دائما، ولكنني لم أحصل عليه إلى يومنا هذا مع الأسف الشديد، ويبدو أن الحياة قد أرادت أن تكون لي هي نفسها ذلك الكتاب. 

في الواقع لم أشعر وأنا أتوغل في جغرافيا الضباب برهبة الغربة بل فقد شعرت ببعض الفرح ينشر أعشابه حول قلبي في تزامن مع الإحساس بالحزن، لم أعرف مصدره، كان يجفَف من حين لآخر شفتيَ وحلقي، لكي أتغلب على الملل أخرجت جواز سفري الجزائري وبحثت بسرعة عن البقعة التي طبع فيها شرطي الجمارك بخاتمه عليها،  فأدركت أنه منح لي 6 أشهر كاملة لقضائها في بلاده، كما أنه حدد هويتي بكلمة، كتبها بخط يده الصارمة مثل العقلية الامبراطورية، وهي كلمة “Alien” التي فهمت بعد مدة من الزمان أنَ لها معاني كثيرة، وهي في جملتها سلبية ومخيفة ومزعجة منها:”الأجنبي”،

و”الغريب”، و”كائن من عالم آخر”، و”الدخيل”، و”العادات الغريبة”، كما أدركت كذلك أن اشتقاقاتها تعني: “نفَر” و”استعدى”، و”تحويل الملكية من شخص إلى آخر”، وهنا قلت لنفسي بأن عملية التحويل هذه لن تترك شيئا ما في سلام ووئام إلاَ وهشمته تهشيما، ونكلت به تنكيلا بما في ذلك الهوية، وبنية المشاعر أيضا، أي أنَ هذا القابل للتحويل ليس جسد الشخص الوافد، وإنما هو مركب الهويَة الثقافية والروحية لهذا الذي ينظر إليه على أنه الغريب والمنفَر في آن معا، إن عميلة التحويل هذه تهدف ضمنيا ترويضه وجعله مألوفا ومقبولا بعد تحويله إلى ملكية للمجتمع الامبراطوري.

قبل أن يصل قطاري إلى محطتي المنشودة انتبهت إلى نفسي وفتحت عيني واسعتين وعندئذ تذكرت بتلقائية لحظة تاريخية حاسمة عاشها بحماس زعيم المقاومة السلمية الهندية مهاتما غاندي وهو في زيارة لبريطانيا يوم كانت بلاده تحت الحكم الانجليزي، عند وصول غاندي برفقة عنزته إلى مطار هيثرو، التف حولهما آلاف الناس، بعدئذ أقبل عليه الصحفيون البريطانيون وسألوه أمام عدسات الكاميرات عن رأيه في الديمقراطية البريطانية، التفت غاندي إليهم دفعة واحدة، وقال لهم كلمته الساخرة الشهيرة في تاريخ حركة التحرر العالمي:”إنها فكرة جيدة…إنها فكرة جيدة !!!…”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • reda

    وهل الجزائر ليست المنفى

  • بدون اسم

    وايضا فهمنا لماذا لا يحمل المجرم و ذو الطبيعة الشريرة الا 30 بالمئة من المسؤولية

    هنا تكلمت عن حروب الجيل الرابع اي دراسة طبيعة السلوك الفردى وتؤثيره فى المجتمع لماذا ينحرف او ينقلب

    مما لا يدع الشك ان الا وعي يمثل النسبة الكبيرة من قرار الانسان والذخير والخزينة تمثل التغذية الحقيقية للروح لا يقوم سلوك الا بفعل وردة حسابات المنطق والا منطق و الفعل لا ينطلق من فراغ ابدا او ما يسمى بالدوافع بل الفراغ هو الكارثة الذى يولد فعل سلبي "فارغ" والمثقف اكثر يخشاه هو الفراغ فهو يدمره ويدمر النف

  • حنصالي

    ويحتفض بنفس النشاط والفاعلية التى كانت في ما سبق وهناك نماذج كثيرة فى المجتمع ينقلب سواءا من الخير الى الشر او العكس او فى الافكار او يصبح متدين او غير متدين فى لحضة

    وهذا مرده الى "الميكانيزم" او الصيغة المعرفية التى يعمل اثرها الاواعى جراء عناصر متداخلة ومشاعر وغرائز يصعب على الانسان اي كان ان ينضم علاقاتها حتى تكون ناضجة

    من هنا وجب علينا نحن ان نصحح لبعضنا فى الا وعي خاصة فى المجتمعات المنغلقة ذات الطبيعة الشحيحة انقلابات بالجملة حتى الانقلابات العسكرية ذات الاتجاهات المتداخلة وال

  • حنصالى

    ونستطيع القول ان الحقيقة مخبئة فى ذالك الميكانيزم الوجود "الثابت المتغير "او فى الا معقول او ما يتمثل فى الثنائيات

    والتى لا يمكن ان نعي تركيبتها ..لاكن استطيع ان اجزم ان اللوعي هو بنية مستقلة تماما تعمل بتلقائية

    فالروح عكس ما تقول الروح فى حالة انهيار النفس تعيد بناء ذاتها من الاول الطفولة هذا هو السر وموادها هي ماتم تخزينه

    الروح لها اندفاعية معينة فى الاتجاه وتستطيع ان تغير مسارها بين ثنائية الخير والشر بدون ان تفقد الفاعلية
    اي يستطيع صاحب الروح الشريرة ان ينقلب ويحتفض