هل عجزت الجزائر عن إنجاب الرجال؟
يتخرج عند نهاية كل موسم الآلاف من الكفاءات من جيل الاستقلال في كل المجالات من المعاهد والجامعات الجزائرية ليصطفوا في طابور الانتظار رغم حاجتنا إليهم، ورغم كل الإمكانيات والقدرات التي يتوفر عليها البلد، أو يتوجهوا للبحث عن سبيل لهجرة الديار والهروب من الظلم والإقصاء وكل أشكال الفشل الذي نتخبط فيه.. ومقابل ذلك يستمر جيل الثورة من الذي تجاوز سن الستين والسبعين في مواقعه يتبادل الأدوار ويتداول على المناصب ليتحكم في رقابنا بكل الوسائل ويقرر مصير الأمة بفكر متخلف وبالكثير من الحقد والكراهية والانتقام وتصفية الحسابات، وبممارسة كل أنواع النفاق والخداع والنهب دون أدنى اعتبار لحاجتنا الماسة إلى التجديد والتغيير والنفس الجديد، ودون أدنى اعتبار لما يحدث حولنا وما يمكن أن يحدث عندنا، إذا استمر استفزاز الشعب بهذا الشكل الحاصل اليوم..
قد أكون متشائما وتكون بعض الكلمات المستعملة في وصف الواقع قاسية، ومبالغ فيها، لكنها ليست أكثر قساوة وضررا من الواقع المعاش وواقع الممارسات والذهنيات السائدة وخوفنا مما هو قادم بسبب استمرار الوجوه المستفزة في مواقعها دون إعطاء الفرصة لغيرها من جيل الاستقلال حتى ساد الانطباع بأن الجزائر صارت ملكية خاصة لجماعات خاصة في دواليب السلطة وبعض الأحزاب السياسية والمؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية ممن لن يذهبوا إلى المعاش، ولن يغادروا مواقعهم سوى باتجاه المقابر، وساد الانطباع بأن أمهاتنا لم تعدن قادرات على إنجاب الرجال وأن جيل الاستقلال غير قادر على حمل المشعل، وبلدنا لم يعد قادرا على تجديد طاقاته لمواجهة التحديات الجديدة التي تتطلب وجوها شابة بفكر مختلف ونفس متجدد دون حقد وإقصاء ودون كراهية وتصفية حسابات..
حتى القرار”الجديد القديم” للوزير الأول بإحالة كل الذين تجاوزوا سن الستين على التقاعد لم يجد سبيلا إلى التطبيق رغم التعليمات المتكررة منذ عهد الوزيرين الأولين بلخادم وأويحيى في سيناريو مضحك ومبكٍ لإجراءات عادية وطبيعية وقانونية لا تجد سبيلا للتطبيق كغيرها من الإجراءات لأن لسنا دولة قانون ومن هم مطالبون بتطبيقها تجاوزوا الستين والسبعين، ولا يثقون في جيل الاستقلال ولا يريدون التخلي عن كراسيهم والمزايا التي يتمتعون بها رغم فشلهم المتكرر.
ما الجدوى من الافتخار بأن سبعين في المائة من أبناء الجزائر لا تتعدى أعمارهم سن الثلاثين؟ وما الجدوى من توجه أكثر من ثمانية ملايين جزائري إلى مقاعد الدراسة الأسبوع المقبل وصرف المليارات من أجل تعليمهم وتكوينهم؟ وما الجدوى من مسؤولين أنانيين لا تهمهم سوى مصالحهم ومصالح أهلهم وعشيرتهم والموالين لهم من “الشياتين” و”الفاشلين” الذين لا يتقنون سوى التطبيل والتصفيق والدعوة لعهدة رابعة وخامسة، والسعي لعودة الوجوه القديمة إلى مواقع المسؤولية وإقصاء كل من يشتمون فيهم رائحة الوطنية والكفاءة والاختلاف معهم ..
إن ما يحدث عندنا من فساد ونهب وظلم وقهر ويأس لم يسبق له مثيل في تاريخ الشعوب والأوطان، ولن نتجاوزه بنفس الممارسات الحاقدة التي غرست فينا الكراهية والرغبة في الانتقام بل بانسحاب الوجوه المستفزة من مواقع المسؤولية وتولي جيل الاستقلال زمام الأمور، بدءا من رئاسة الجمهورية إلى أصغر المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وعندها فقط يمكننا القول بأن أمهاتنا لا تزلن تنجب الرجال وجزائرنا تثق فيهم، وتسعى إلى نهضة شاملة ونمو وتنمية مستدامة تأخذ بعين الاعتبار حاجيات الأجيال الصاعدة إلى الكثير من الحب والاحترام بيننا جميعا دون استثناء لجهة أو فئة أو مجموعة من أبناء هذا الشعب الذي يستحق منا كل التقدير على صبره ووفائه والتزامه وانضباطه..