-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل ماتت فكرة الحرب الخاطفة في هرمز!

هل ماتت فكرة الحرب الخاطفة في هرمز!

تعود القوى الكبرى إلى ممارسة الضغط على القوى الناشئة الرافضة لمنطقها بكافة الوسائل. يتجلى ذلك بوضوح في الحرب الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة وإيران حول مضيق هرمز. في البداية أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أنها بصدد شن حرب خاطفة على إيران لِتجريدها من سلاحها وتغيير نظامها تدوم أياما، ثم قالت أسابيع، ثم تحولت الأسابيع إلى أشهر… وهي الآن تتجه إلى أن تُصبح حربا طويلة المدى يصعب معرفة متى ستنتهي…
المشكلة الأساسية اليوم تتمثل في ما إذا كان بإمكان قوة عظمى أن تنتصر بسرعة على قوة صغرى أو دولة نامية في وقت وجيز؟
يُقدِّم البعض المثالين الليبي والفنزويلي لإثبات ذلك، حيث تم تغيير النظام بسرعة، إلا أن هذين المثالين بقدر ما يُبرزان نتيجة التدخل من القوى الكبرى لا يؤكدان قاعدة إمكانية انتصارها مهما كانت ترسانتها قوية، بل بالعكس يقدمان الدليل أن الانتصار أو الهزيمة في الحرب إنما هو قبل كل شيء انتصار أو هزيمة إرادات يكون سببها الداخل قبل الخارج، وفي المثالين السابقين كان الداخل المتحالف مع القوة المهاجمة هو مَن تسبب في التغيير وليست أبدا القوة الخارجية ذات الإمكانات الهائلة وحدها… ويكفي الرجوع إلى العدوان الصهيوني المستمر على غزة الذي رغم الفارق الكبير في القوة واستخدام كافة وسائل الإبادة الجماعية، لنتأكد أن ما استهدفه العدوان لم يتحقق ولن يتحقق مادامت إرادة الشعب الفلسطيني قائمة وإصراره على المقاومة ثابت. وقبل ذلك فعلت شعوب الجنوب التي كافحت المستعمر الظالم لأجل استعادة سيادتها وعلى رأسها الشعب الجزائري الذي هَزَم أحد أكبر جيوش الحلف الأطلسي بثباته وإرادته وإيمانه وتضحياته الجسام…
المشهد ذاته يتكرر اليوم، كانت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يسعيان لتحقيق نصر خاطف على إيران بهجوم كثيف يوم الـ 28من شهر فيفري الماضي بأكثر أنواع الطائرات والصواريخ تطورا، تم خلاله اغتيال قادة كبار في الدولة وعلى رأسهم قائد الثورة، ثم توالت الضربات بأكثر الوسائل فتكا إذا استثنينا السلاح النووي (الذي يحتاج إلى حسابات أخرى)، ومع ذلك لم تتم هزيمة إيران التي فاجأت الجميع بصمودها وتكيُّفها السريع وقدرتها على الرد وعلى إرباك العدو. وبدل الأيام القليلة أصبحت الحرب تتطلب أسابيع وهي تتجه الآن لتطول أكثر… فهل سيؤدي هذا إلى موت فكرة الحرب الخاطفة والانتصار السريع الذي كان الكيان الصهيوني يعول عليه دوما؟ هل ستضطر الولايات المتحدة الأمريكية إلى اعتماد خيار الحرب طويلة الأجل الذي طالما تفادته؟ وهل سيُمكِّنها هذا الخيار من تحقيق ما لم تستطع تحقيقه في كل من فيتنام والعراق وأفغانستان؟
يبدو أن الخيار الاستراتيجي الأمريكي اليوم في مأزق: الانسحاب من الحرب والوصول إلى صفقة تَضمَنُ حقوق الإيرانيين المشروعة يعني فقدان أكبر قوة عسكرية عظمى لهيبتها أمام باقي دول العالم! الاستمرار ضمن منطق الحرب وتنويع الضربات ووصولها إلى المنشآت المدنية سيؤدي إلى تحول جذري في طبيعتها قد يصل إلى الانتقال إلى الحرب البرية التي يطول أمد حسمها إن لم تُؤد إلى خسائر لن تتحملها طويلا القوات الأمريكية المعتدية. لذلك يبدو أننا سنعيش حقبة تحول في طبيعة الصراعات الدولية من الآن فصاعدا، حيث لن تُسارع القوى الكبرى بعد هذه التجربة الأمريكية لمهاجمة القوى الصغرى وإن بدت أقل قوة بكثير… وهذا يعني أن الحرب غير المتماثلة اليوم باتت تعني إمكانية انهزام القوي أكثر من امكانية انهزام الضعيف! تكفي الضعيف قوة الإرادة ووحدة الصف الداخلي لكي يستمر في المقاومة وينتصر! وهو درس لنا جميعا: قبل امتلاك أية قوة للردع ينبغي امتلاك جبهة داخلية متينة وتماسكا داخليا لا يستطيع أن ينفذ منه العدو. فأي انتصار إنما يتحقق من قوة الداخل وأية هزيمة إنما تأتي أيضا من الداخل. وما ينطبق على القوى الصغرى ينطبق على القوى الكبرى: إذا كانت أمريكا أو الكيان الصهيوني سينهزمان، في هرمز أو في غيره، فبالضرورة سينهزمان من الداخل قبل الخارج.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!