هل من قضية وطنية؟
بدَل توجيه الرأي العام نحو الاهتمام بخصوصيات وأسرار الشخصيات العامّة وكبار المسؤولين وأحيانا حتى عائلاتهم، كان علينا أنْ نعمل على صناعة رأي عام مُتَّجِه نحو المستقبل، يعتنق قضايا وطنية ويمتلك كل الأمل في تجسيدها، أي علينا أن نُفكِّر بمنطق الدول التي تضع لنفسها أهدافا مرحلية وبعيدة المدى وتسعى إلى تعبئة الرأي العام لتحقيقها، لا بمنطق الدول التي تنزل بمواطنينا إلى التفكير في سفائف الأمور وعورات الناس ونواياهم حتى تُصبح شغلَهم الشاغل وخبزَهم اليومي الذي من دونه لن يعيشوا.
كل الدول والأمم تعرف قضايا فرعية كثيرا ما شدّت الرأي العام وأصبحت مادة دسمة لوسائل الإعلام، ولديها أيضا خلافاتها الشخصية التي تكشفها وسائل الإعلام أحيانا وتتندّر بها أخرى، إلا أن ذلك لم يصبح اهتماما رئيسا للدولة.
الرئيس أوباما تَندَّر منذ يومين، فيما يُعرف بالعشاء الأخير قبل انتهاء عهدته، بالمرشح للرئاسيات دونالد ترامب ووصفه بأنه “خبيرٌ بملكات جمال العالم أكثر مما هو خبير بالسياسة الخارجية الأمريكية!” كما تندَّر حتى بنفسه وأقرب مساعديه… وكثيرا ما أثار الإعلام الأمريكي قضايا تخصّ كبار الشخصيات العامة، إلا أن هذا لم يكن أبدا هو الهمّ الرئيس للولايات المتحدة.. وذات الأمر بالنسبة إلى كل دولة في العالم تكون لها قضايا وطنية ومصالح عليا تدافع عنها.
ـ السياسة الأمريكية حدّدت لنفسها أهدافا استراتيجية سهر أوباما على تحقيقها، من بينها القدرة على كسب أيّ حرب يمكنها أن تُزعزع استقرار الدولة مهما كانت نوعية الحرب، والتحكّم في حركة كل المجالات البحرية والجوية والفضائية العالمية، التي يُمكن من خلالها التحكم في كل العالم.
ـ الصينيون أحكموا تقديرات مخططهم الخماسي الثالث عشر 2016 ـ 2020 وقرروا أنهم سيحافظون على نسبة نمو تقدر بـ 7 بالمائة ويضاعفوا كلا من الناتج الوطني الخام الحالي ونسبة الفرد من الدخل الوطني في حدود سنة 2020، مما سيقضي على الفقر ويضع حدا للفساد، ويقلّص الفوارق في الأجور، ويُمكِّن الصين من احتكار أكثر من 30 بالمائة من استثمارات العالم، و32 بالمائة من نموِّه…
ـ الفرنسيون جدَّدوا سياستهم الدفاعية من خلال قانون البرمجة العسكرية لسنة 2016، ووضعوا لأنفسهم أولويات تتعلق بالهيمنة التكنوقراطية الأوروبية واستعادة مُكوِّنات الأمة الفرنسية، ضمن ما يعرف بإيقاظ روح الهوية الوطنية في السنوات القادمة…
وقس على ذلك بقية الدول…
فهل ستحفزنا مثل هذه التجارب لكي تُصبح قضايانا الوطنية، وما أكثرها، هي شغلنا الشاغل بدل هذا الهرج والمرج، أحياناً في سراديب الزوايا، وأخرى على مدرّجات الملاعب؟