هل نحن في حاجة إلى كل هذا الصراع على الهويات؟
يبدو واضحا أن ما يحدث حاليا في كثير من بلداننا – من الصراع أو الاقتتال الطائفي والقبلي والاثني ومن جمود للتنمية المادية والفكرية والاجتماعية ومن فهم قاصر لمنطق تحول وتطور الهويات في التاريخ- هو نتيجة لغياب الفاعلية والواقعية لدى التيارات السياسية والفكرية عندنا على المستوى الميداني والنظري، ونقصد هنا دوران مختلف وتنوع التيارات، التي تلبس لبوس العلمانية أو تلك التي تتخذ الدين إيديولوجية أصولية مغلقة، وكذلك الشرائح المتواجدة في دوائر صنع القرارات، حول قضايا ميتة، الأمر الذي حال ولا يزال يحول دون عدم مضيها في رسم وتفعيل مشروع واقعي منبثق من الطاقات التي يتوفر لديها الاندفاع الحيوي في مجتمعاتنا من أجل ربح رهان النهضة العلمية والثقافية والفكرية والفنية والاقتصادية التي تطمح الشرائح الشعبية المحرومة أن تتحقق في حياتها اليومية، والأدهى والأمر هو أن المناقشات الدائرة منذ سنين طويلة مافتئت تعلك قضايا يغلب عليها التجريد حينا والسقوط في فخَ الاستعادة المطلقة للماضي، واعتبارها النموذج المطلق حينا آخر، حيث انحصرت هذه المناقشات في النبش في التراث من منظور تقديسه، وفي المعاصرة التي تربط باستمرار بما تم إنجازه في العالم الغربي من تحديث وتطور للنظم السياسية، والفكر، والتصنيع.
من الواضح أن رؤية هذه التيارات للتراث تخلو في الغالب من الروح النقدية، خاصة وأنها تعتبر متونه الصفراء المكتوبة والمكفنة في الأرشيف أرض الميعاد المقدسة، وفي الوقت نفسه تعتبر المعاصرة صنما مستوردا من الغرب وليست جزءا من عناصر التراث ذاته، لاشك أن محوري التراث والمعاصرة هما أكثر المحاور التي استقطبت عندنا المثقفين والمفكرين والسياسيين بمختلف مللهم ونحلهم، وفي هذا السياق فقد نظر ولا يزال ينظر إلى التراث العربي الإسلامي، وإلى تراث الأقليات الاثنية والعرقية المختلفة في فضائنا الجغرافي الممتد من المحيط إلى الخليج على أنهما ثنائيتين متصارعتين ومتناحرتين وليس كظاهرتين نابعتين من تجاربنا التاريخية والحضارية وكمكونين لهويات مواطنينا ومواطناتنا التي باتت في وضع قلق وهي تبحث لنفسها عن مرفأ الأمان، المشكلة الأولى التي واجهت ولا تزال تواجه ما يدعى بالأنتلجنسيا المفكرة في بلداننا – والتي هي عبارة عن نخب من الدارسين والباحثين المشتتين، ومن أصحاب المواقع السياسية في داخل السلطة أو في المعارضة – تتمثل في غياب أطر ومؤسسات حرة ومستقلة تجمعهم من جهة، وفي تعدد مشاربهم الإيديولوجية التي تسيطر عليها النزعات القبلية أو الطائفية، أو الاثنية، أو العرقية الانفصالية، أو الجهوية المغرقة في الشللية.
إنه يمكن لنا أن نصنف أربعة تيارات أساسية بارزة في مشهد النقاش حول التراث والمعاصرة في بلداننا، إذ هناك التيار التراثي الأصولي المتطرف الذي ما فتئ ينادي بأن هويتنا موجودة في الماضي البعيد، وأن ما يحدث لنا من ضياع لا يمكن أن نتخلص منه إلا بالعودة المطلقة إلى ذلك التراث التاريخي الموغل في الماضي، سواء كان هذا التراث مؤسسا على المعطى الديني أو العرقي، أو الإثني.
هناك التيار التراثي الأصولي المتطرف الذي ما فتئ ينادي بأن هويتنا موجودة في الماضي البعيد، وأن ما يحث لنا من ضياع لا يمكن أن نتخلص منه إلا بالعودة المطلقة إلى ذلك التراث التاريخي الموغل في الماضي سواء كان هذا التراث مؤسسا على المعطى الديني أو العرقي، أو الإثني.
إنه جراء هذا التطرف في الموقف من التراث، ظهرت فكرة الوصاية الاستحواذية على هذا النمط من هذا التراث أو ذاك، وبسبب ذلك فقد تفرق المتصارعون إلى ملل، ونتيجة لذلك حوّلوا التراث نفسه إلى حلبة صراع، واقتتال مادي أو سياسي بدلا من التعامل معه كإرث يحق للجميع أن ينهل من عناصره الحية والمستنيرة، ولقد برز ضمن هذا التيار فريق آخر يرى أن الدولة الدينية هي الضمانة الوحيدة التي تضمن تحقيق العدالة في المجتمع وترسيخ الأصالة فيه، وتجنب شتى أشكال الاغتراب والسقوط في تقليد حداثة الغرب التي تنعت بالملحدة، إن هذا الاتجاه الإسلامي المتطرف يؤكد أنه من السخافة الفصل بين الفكر الغربي وانجازاته وبين تجاوزات الرأسمالية وهيمنتها وسيطرتها على مقدرات الشعوب الإسلامية وشعوب العالم الثالث بشكل عام، ولكن يلاحظ أيضا أن هذا الفريق يندمج فور وصوله إلى السلطة في اللعبة الرأسمالية الغربية، والدليل واضح في عدة تجارب مثل التجربة القصيرة للإخوان المسلمين في مصر الذين لم يقطعوا مع الرأسمالية فور وصولهم إلى الحكم.
أما التيار الأصولي الثاني فأجده متمثلا في تلك الدعوات إلى الماضي السابق للمرحلة الإسلامية الذي يرفض قطعيا أطروحات العروبة، وكذلك الكونية الإسلامية، إنَ إيديولوجيا هذا التيار تهدف إلى استعادة الهويات الثقافية والتاريخية مثل الفرعونية والأمازيغية والمارونية، والفينيقية والكردية الخ، وينظر إليها كمقوم وحيد لأصالتها وفرادتها، وهكذا نرى هذا التيار يعيد إنتاج مفهوم الهوية الجاهزة والثابتة، ويكرر منطق نفي التناص مع الهويات الأخرى، ويذهب بعيدا أحيانا في اعتبار حتى تجاور الهويات خطرا محدقا على وجوده ووجود أتباعه.
إن هذا الاتجاه يحاجج في مرافعاته السياسية والثقافية أن الدولة الأمة لا يمكن أن تقوم لها قائمة بدون تثبيت الأصول العرقية أو الاثنية، والحال، فإن النظرة الموضوعية لهذا النمط من الطرح تستدعي القول بأن الفرعونية والأمازيغية والفينيقية ليست في حد ذاتها عناصر خارج بنيان الهويات الوطنية، بل هي جزء منها، علما أن نزعة تجاهل حقائق الهجنة كواقع تاريخي وثقافي ودموي، وحقيقة التأثر المتبادل عبر مسار التاريخ الطويل هي نزعة تتنكر لأبسط المعارف والحقائق العلمية والأنتروبولوجية.
إن بلداننا محكومة تاريخيا وتنوعا بشريا ولغويا بضرورة القبول بالهوية المركبة المتطورة والمفتوحة على الإضافات، وفي الحقيقة فإن الحنين إلى الصفاء العرقي، إيديولوجية غير مبررة تاريخيا وعلميا، وهي تتنافر مع طبيعة الثقافة نفسها التي تتميز بأنها تنشد التلاقح، والتناص، والتنوع لكي تضمن التطور والبقاء، لاشك أن مبررات هذا التيار وقوّته على الاستقطاب تعودان إلى عدم وجود الديمقراطية الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية والثقافية ببلداننا التي تعترف بالتنوع الثقافي واللغوي الأهلي، وبحقوق المواطنة حيث يحول من يطالب بالاعتراف بلغته وثقافته إما إلى عدو انعزالي أو يدفع به ليصبح شهيد اللغو والثقافة، ومقابل هذا التيار نجد تيارا آخر يحدد الحلول لمجتمعاتنا في إجراء عمليات توفيقية للعمل على صياغة تركيبية تصالح بين القيم التنويرية للحضارة الإسلامية وبين المعطيات المدنية والحضارية الغربية مع التشديد على الايجابي منها، وبطبيعة الحال، فإن أطروحات هذا التيار تتميز بالتبسيط وبكثير من السذاجة، حيث أن بناء أسس أي تركيبة لا يتم ميكانيكيا أو بمجرد رغبة، بل فإنها مشروطة بالحاجة التاريخية، وكثيرا ما يرافقها إسقاط عناصر من الموروث والتخلي عنها عندما تكون غير قادرة على أن تتلاءم مع بنية التركيبة الجديدة، إن المنطلق البراغماتي يلف منطق هذا التيار، حيث تقول البديهيات بأن استيراد التكنولوجية الغريبة لا يمكن أن يكون عملية معزولة المعايير والآثار عن القيم والآليات الثقافية التي أنتجتها وتنتجها،
وأكثر من ذلك فإن استيراد التكنولوجيا الغربية ليست عملية محايدة، بل إنها تفرض تغييرات في النفسية وفي العلاقات وفي أسلوب العيش، وكذلك فإنها تخلق تغييرات وتحويلات في أسلوب الإنتاج وعلاقات الإنتاج، أي أنها تخلق تغييرات في الوعي والبنية الثقافية، ويمكن القول في الختام بأن هذه التيارات التي تعرضنا بإيجاز لأفكارها وتوجهاتها تساعد فقط على ترسيخ الأزمة وتكرس النقاش داخلها ووفقا لمنطقها أكثر مما تعمل خارجها من أجل تجاوزها بعد فهم واستيعاب إدراك إشكالية بنية الأزمة نفسها، وهكذا لا نفاجأ من أولئك الذين يقولون بأن الفكر العربي السائد عندنا، كما هو في وضعه الحالي يتميز بأنه إما هو صدى للأزمة وتعبير عنها، أو هو جزء منها، أو أنه فكر يسيرها ولا يبحث عن البدائل التي تؤدي إلى الخروج منها.