هل نكسر القيود؟
كل شيء في الوجود يقرأ من زوايا عديدة، فما تراه أنت ايجابيا قد يراه آخرون سلبيا، وما يمكن أن تراه خيرا قد يكون فيه شر مستطير والعكس بالعكس.. ولهذا وجب على المتأمل ان يرى المشهد من كل زواياه وان يقيم الواقع بموضوعية لعله حينذاك يستطيع الموازنة والاقتراب من الصواب.. ولا بد ان نعترف ان العملية ليست سهلة وأنها تحتاج كثيرا من الصبر وكثيرا من العلم حتى تؤتي النظرة جدواها.
وبين العلم والوعي مسافة قد تكون بعيدة وقد تذوب بفعل التجربة والخبرة والملكات الخاصة، فالعلم هو ما تم تحصيله من علوم يتناولها الناس واما الوعي فهو الملكة الشخصية في فهم الأشياء والربط فيما بينها ورؤية ما بعدها، فقد يقل العلم ويبقى الوعي وقادا وقد يقل الوعي فيصبح العلم مجرد تراكمات لا طائل منها كمثل الحمار يحمل أسفارا.
من هنا لابد من التدقيق انه علينا الاقتراب من الأشياء بروح الوعي وبأدوات العلم وبدون ذلك نكون كحاطبي ليل او ضاربين في الأرض خبط عشواء.. بالوعي نقترب من المشهد، ندرك مغازيه وماورائيته وبالأدوات العلمية نحلله ونكشف عن قوته او ضعفه وطرق الحوار معه وتمتين الأواصر بين عناصره..
ومن هنا نكتشف حجم الخراب الذي يسعى في منظوماتنا الثقافية والمعرفية عندما يصار إلى وضع لبنات في بنيانها لا ندري اهمية الموقع ولا اي ظرف تقام فيه فنحصد جراء فوضانا وحساباتنا الظرفية مر الحصاد..
وهنا تتجلى لنا اهم نواميس الكون انه لا فائدة في كثير مما نفعل او نقول إن لم يكن امر بمعروف يعني بتحريض من اجل فعل الخير في المجتمعات ونهي عن المنكر بإطلاق المعنى وبكل ما يحتمل.. وفي هذه العملية التي هي مناط تكليف الأمة الخيرة تقود روحها المغلقة إلى تفتيت منظومة الرحمة والخير والهداية والنبل..
فحتى نتحرر من التيه والعجز والتمزق والتشتت والتخلف لابد ان نقترب من قضايانا بوعي حضاري عميق له علاقة بخبرة وتجربة وحس يقظ له علاقة بالمعارف البيئية والثقافة الشعبية كما لابد من حضور الأدوات العلمية الرصينة التي تحلل الظواهر والإنسان وما لهما من علاقة بالتطورات بشتى انواعها في منظومة متكاملة صحيحة.
حتى نتحرر من القيود لابد في البداية ان نحرر عقولنا من سجون فرضها الغيتو الثقافي والطابو المعرفي وان نقلل حجم المقدس وألا نصبح رهينة لتوجهات خارج سياقات العقل.. وفي مناخ التفتح واستحضار الوعي والتزام المنهج العلمي وبأدواته نستطيع ان نخطو بمجتمعنا وبلادنا خطوات نحو مزيد من الانتصارات.. تولانا الله برحمته.