الرأي

هل نَملك استراتيجية فلاحية؟

محمد سليم قلالة
  • 2470
  • 0

مشكلتنا في الجزائر ليست أبدا مشكلة تفاح أو موز أو ثوم… إنما هي كيف نمتلك ونُنفِّذ استراتيجية وطنية في مجال الفلاحة تُخرجنا من التبعية الغذائية وتُمكِّننا من أن نُعيد بالفعل بناء اقتصادنا الوطني على أسس متينة بعيدة عن تقلبات سوق النفط والغاز وانتظار ارتفاع المداخيل من العملة الصعبة لنعود إلى عادتنا القديمة: الاستيراد إلى حد التخمة والقضاء على المنتج الوطني.

منذ “الثورة الزراعية” ونحن نحاول إيجاد استراتيجية مُثلى للإنتاج الفلاحي.. لم تحقق البدايات الأولى للتسيير الذاتي والتعاونيات الفلاحية واحتكار الدولة لهذا القطاع نتائج ملموسة على مستوى الإنتاج، وإن قضت على اللاّعدل في ملكية الأراضي الذي ورثناه عن الحقبة الاستعمارية بتطبيق سياسة “ليخسر الجميع إذا اقتضى الأمر ولكن لن يبقى هناك كولون جدد في البلاد”.. وهو ما حدث بالفعل؛ إذ عاش الفلاحون حقبة مثالية في بدايتها من خلال الشعور بأنهم أصبحوا أسيادا على الأرض طبقا لشعار “الأرض لمن يفلحها”، ولكن هذه الحقبة ما لبثت أن تحولت إلى كارثة حقيقية على الإنتاج الفلاحي حيث انخفضت جميع مؤشرات الإنتاج وسرنا الخطوات الأولى في طريق التبعية الغذائية خاصة في المحاصيل الاستراتيجية (القمح والشعير والبقول الجافة والحليب)…

لقد لاحظنا كيف تأثر الفرنسيون بتوقيفنا استيراد تفاحهم؟ وربما كثيرٌ منا لا يعلم أن تأثرهم سيكون أكبر بمئات المرات لو أننا اكتفينا ذاتيا في مجال الحبوب وأوقفنا استيرادها، ذلك أن عدد الفلاحين الفرنسيين الذين سيتضرَّرون جراء مثل هذا التطوُّر في إنتاج الحبوب فقط، إذا حدث، سيزيد عن 100 ألف فلاح.

ولم يكن أمامنا من حل سوى التراجع عن هذه “الثورة الزراعية” التي أسهمت في تفقير الجميع، إلا أننا بدل اعتماد نمط أفضل من أنماط التنمية في هذا المجال، فتحنا الباب واسعا أمام نهب الأراضي الفلاحية وتحويلها إلى ملكيات خاصة باسم القانون، ولم نكتف بذلك بل سمحنا بأن تتحول هذه الأراضي إلى كل شيء إلا إلى الإنتاج الفلاحي.. غزا الإسمنت مناطق كانت مُنتِجة ذات يوم، وتحولت أراضٍ خصبة بفعل فاعل إلى بور حتى يتمّ تغييرُ وجهتها، بل تم القضاء على مزارع بأكملها للنخيل والأشجار المثمرة لكي تُباع كقطع للبناء!

وهكذا بدل أن نُصحِّح أخطاء “الثورة الزراعية” قمنا بتعميقها، وازدادت تبعيتنا إلى الخارج. وبدخولنا حالة انعدام الأمن في التسعينيات ازداد الامر سوءا، وهجر معظم الفلاحين أراضيهم إلى محيط المدن الأكثر أمنا من الأرياف والجبال.. وكانت تلك ضربة أخرى لإنتاجنا الفلاحي، زادت الوضع الذي خلَّفته مرحلتا السبعينيات والثمانينيات تعقيدا وتدهورا، ولم تبدأ الظروف تتهيأ للعودة إلى إمكانية رسم استراتيجية فلاحية جديدة إلا مع بداية القرن الحالي، أي منذ نحو 15 سنة من الآن.

وكانت الفرصة مواتية في تلك الفترة لإعادة تصحيح كل أخطاء الماضي لِما توفرت عليه خزائن الدولة من مداخيل كبيرة جراء ارتفاع أسعار المحروقات، وتم اعتماد سياسات تنموية في هذا المجال قائمة على دعم المنتجين بالأموال والعتاد بلا حدود، وهو ما حدث بالفعل، إلا أنه تم ضمن التسرُّع وعدم أخذ كافة الاحتياطات لكي لا يتحوَّل الدعم الذي تم تخصيصُه للفلاحة عن وجهته الحقيقية.

وهكذا، لاحظنا كيف أن أعدادا كبيرة من غير الفلاحين كانوا أكثر استفادة من الفلاحين انطلاقا من هذه السياسات، (تجار ومستوردين وسماسرة ووسطاء وطفيليين)، إلا أنه برغم ذلك حدثت قفزة كبيرة في مجال الإنتاج وتمكَّن الكثير من الفلاحين من تطوير مزارعهم وحقولهم بطريقة أو بأخرى، ووصلنا إلى الوضع الذي نحن عليه اليوم بكل ما فيه من إيجابيات وسلبيات، حيث تم على سبيل المثال في موسم 2014ـ 2015 وفي مجال المواد الفلاحية الاستراتيجية إنتاج 37.6 مليون قنطار من الحبوب (20.2 مليون قنطار قمح صلب، 6.4 ملايين قنطار قمح ليّن، 10.3 ملايين قنطار شعير، 0.7 مليون قنطار خرطل)، و873.950 قنطار من البقول الجافة… وهي وإن كانت نتائج معتبرة إلا أنها تبقى دون مستوى تحقيق الأمن الغذائي الذي ينبغي أن يكون غايتنا الأولى في السنوات القليلة القادمة.

وقد وعدت وزارة الفلاحة في عرض لمديرية ضبط الإنتاج الفلاحي وتنميته تم تقديمه بتاريخ 02 جوان 2016 بأنها ستحقق في حدود سنة 2019؛ أي خلال المستقبل المباشر، الاكتفاءَ الذاتي في بعض المواد الاستراتيجية حيث ستتوقف على استيرادها تماما: القمح الصلب، غبرة الحليب الموجَّهة لمشتقاته، البطاطا وبذورها، لحوم الأبقار، الطماطم المصبَّرة، اللحوم البيضاء… بل إنها ستصدِّر 70 ألف طن من اللحوم الحمراء، و2500 طن من الطماطم المصبرة، و70 ألف طن من البطاطا، و60 ألف طن من التمور، و05 ملايين لتر من زيت الزيتون، وتُخفِّض بـ60 بالمائة كمية استيراد العدس والحمّص، فضلا عن تصدير منتَجات فلاحية أخرى أقلّ أهمية من الناحية الاستراتيجية لا أريد أن أشير إليها في هذا المقال باعتبار أننا نريد أن نبقى ضمن الحديث عن المُنتَجات ذات الأثر على سيادتنا الوطنية التي تستنزف قدرا كبيرا من مداخيلنا بالعملة الصعبة، وأنْ نسأل ما إذا كنا بالفعل سنصل إلى تحقيق هذه الأهداف التي سطرناها؟ وهل سننتقل في المستقبل إلى أخرى أكثر أهمية وأكثر قدرة على تعزيز موقفنا التفاوضي ليس فقط في المجال الاقتصادي إنما في المجال السياسي أيضا؟

لقد لاحظنا كيف تأثر الفرنسيون بتوقيفنا استيراد تفاحهم؟ وربما كثيرٌ منا لا يعلم أن تأثرهم سيكون أكبر بمئات المرات لو أننا اكتفينا ذاتيا في مجال الحبوب وأوقفنا استيرادها، ذلك أن عدد الفلاحين الفرنسيين الذين سيتضرَّرون جراء مثل هذا التطوُّر في إنتاج الحبوب فقط، إذا حدث، سيزيد عن 100 ألف فلاح، وهو رقم كبير يصعب للاقتصاد الفرنسي تحمُّله. أما إذا انتقل الأمر إلى مجال الحليب والبذور والبقول الجافة والأسمدة والمبيدات الحشرية… إلخ، فإن موقفنا التفاوضي في المجال الفلاحي سيتغيّر تغيُّرا جذريا، فضلا عما نقتصده من عملةٍ صعبة نحن في أمسِّ الحاجة إليها.

المعادلة الاستراتيجية إذن واضحة في هذا المجال، وعلينا أن نُدرك أنها تتحكم في حرب حقيقية بين الدول تدور حول رهانات حياة أو موت بملايير الدولارات، ولن نُترَك أحراراً للقيام بما نُريد إذا لم ننتزع ذلك انتزاعا من خلال امتلاكنا لإرادة سياسية أولا ولرؤية على المدى البعيد ثانيا، وقبل ذلك الإخلاص في العمل لأجل هذا الوطن، الذي منذ التسيير الذاتي والثورة الزراعية، وإعادة هيكلة المستثمرات الفلاحية، وهو يتخبَّط في مجال البحث عن مخرج يُمكِّنه من أن يعود إلى سابق عهده، دولة ليست فقط مكتفية ذاتيا في المجال الفلاحي بل قادرة على تصدير فائضها من الإنتاج إلى كافة أنحاء العالم.

شيءٌ واحد ينبغي ألا نتلاعب به هو الوعد بالأرقام الكاذبة، وشيء آخر ينبغي ألا نسمح بحدوثه: أن نَترك اليأس يتسرَّب إلينا ونحن نرى أبسط المنتجات الفلاحية غير الاستراتيجية التي لا تعيرها البورصات العالمية أدنى قيمة: الثوم الأبيض أو الأحمر، يشككننا في أننا نستطيع أن نمتلك استراتيجية كبيرة، فقط لأننا نشتريه أغلى من كل المواد :1400 دينار للكيلوغرام وفي ذات الوقت نعِد بأننا سنُصدِّره مع البصل والخرشوف سنة 2019! (انظر العرض ذاته الصادر عن الوزارة ذاتها).

مقالات ذات صلة