الرأي

هل هناك خصائص مميزة للذهنية الإسلامية المبدعة!؟

حمزة يدوغي
  • 1175
  • 0

أذكر أنه في‮ ‬سنة‮ ‬1984‮ ‬أنشئ معهد للعلوم الإسلامية ملحق بجامعة فرانكفورت بألمانيا،‮ ‬مهمته إبراز جهود المسلمين الأولين في‮ ‬مجال العلوم التجريبية والكونية،‮ ‬وسبقهم في‮ ‬الكثير منها،‮ ‬وكانت الجزائر من البلدان التي‮ ‬بادرت بالمساهمة المادية في‮ ‬إنشائه،‮ ‬فدعي‮ ‬إلى‭ ‬تمثيلها في‮ ‬حفل تدشينه وزير الشؤون الدينية آنئذ المرحوم فضيلة الأستاذ الشيخ عبد الرحمن شيبان طيب الله ثراه‮…‬

ومن ذلك التاريخ لا أسمع بملتقى علمي‮ ‬ينظم في‮ ‬بلد عربي‮ ‬أو إسلامي‮ ‬ليستعرض ما قدمه المسلمون الأولون في‮ ‬مجال العلوم التجريبية والكونية وسبقهم فيها،‮ ‬إلا وتردد في‮ ‬ذهني‮ ‬هذا التساؤل‮: ‬ما هي‮ ‬النتيجة العملية المرجوة من تنظيم مثل هذا الملتقى؟ وهل‮ ‬يستجيب لمنطق الأولويات الملحّة التي‮ ‬يمليها واقع المجتمعات الإسلامية اليوم بكل ما‮ ‬يعانيه من مشكلات التخلف وضغوط العولمة هل هو‮ “‬مجرد نزف فكري‮”‬؟ أم أنه نوع من الهروب من هذا الواقع البئيس؟‮!‬

هل القصد منه هو إبراز‮ “‬الإضافة الكمية‮” ‬التي‮ ‬قدمتها الحضارة الإسلامية في‮ ‬مجال العلوم الطبيعية والتجريبية مما‮ ‬يدخل في‮ ‬باب تاريخ العلوم؟ أم هو نوع من الحنين إلى ماض زاهر مجيد كتعويض عن الفقر العلمي‮ ‬الراهن؟ إن حقيقة تفوق المسلمين قديما في‮ ‬مختلف العلوم،‮ ‬وفضل الحضارة الإسلامية على‭ ‬النهضة الأوروبية خصوصا وعلى المدنية عموما قد حظيت‮ – ‬كما نعلم جميعا‮ – ‬بقدر كبير من الاهتمام،‮ ‬ليس من قبل المسلمين وحدهم بل من قبل‮ ‬غيرهم من المستشرقين،‮ ‬على‭ ‬تفاوتهم في‮ ‬درجة إخلاصهم للحقيقة وللتاريخ،‮ ‬فقد وضعت في‮ ‬هذا المجال مؤلفات ودراسات وأبحاث،‮ ‬وتوّجت هذه الجهود كلها بإنشاء هذا المعهد الملحق بجامعة فرنكفورت لينبري‮ ‬لهذه المهمة التاريخية البحتة‮.‬

إذن فإن الاطلاع على‭ ‬الجانب‮ “‬الكمي‮” ‬أو على‭ ‬المنجزات التي‮ ‬حققها المسلمون الأولون في‮ ‬هذا المجال أمر ميسور،‮ ‬لكن الذي‮ ‬لم‮ ‬يحظ‮ – ‬بعد‮ – ‬بما‮ ‬يستأهله من اهتمام الباحثين والدارسين المختصين،‮ ‬والذي‮ ‬كان من اللازم التركيز عليه وتخصيص ندوات وملتقيات لبحثه ودراسته هو بيان خصائص الذهنية الإسلامية المبدعة،‮ ‬وإبراز أسس تفاعلها مع الكون والطبيعة،‮ ‬وبيان النسق العام المتميز الذي‮ ‬تنتظم فيه هذه الأسس،‮ ‬والذي‮ ‬أثمر فلسفة خاصة في‮ ‬مجال العلوم الطبيعية والتجريبية‮.‬

هذا النسق‮ ‬ينطلق من قاعدة كلية هي‮ ‬أن الإنسان سيّد في‮ ‬الكون عبد لله سبحانه،‮ ‬ومعنى ذلك انعدام وجود أي‮ ‬منافس للإنسان في‮ ‬المحيط المادي‮ ‬العام الذي‮ ‬سخر له،‮ ‬أي‮ ‬الكون،‮ ‬وهذه السيادة‮ ‬يحققها بالعقل الذي‮ ‬يعمل في‮ ‬مجال اختصاصه،‮ ‬أي‮ ‬عالم الشهادة‮ “‬المادة‮” ‬عن طريق العلم الذي‮ ‬يؤدي‮ ‬وظيفتين‮: ‬الأولى هي‮ ‬تحقيق معنى‭ ‬الاستخلاف وذلك باكتشاف أسرار المادة للتحكم في‮ ‬قوانينها تحقيقا للقوة والمناعة والريادة،‮ ‬والثانية هي‮ ‬تعميق الإيمان بالله سبحانه بالنظر في‮ ‬دقة صنعه وسننه الماضية في‮ ‬خلقه‮ “‬إنما‮ ‬يخشى الله من عباده العلماء‮”.‬

وهذا‮ ‬يشير إلى‭ ‬حقيقة كلية أخرى وفق هذا النسق وهي‮ ‬أنه لا مصدر للقانون إلا القانون ذاته،‮ ‬وأنه لا‮ ‬يمكن أن‮ “‬يخرق‮” ‬هذا القانون أو‮ ‬يعطله إلا الذي‮ ‬خلقه سبحانه‮..‬فما‮ ‬يسمى‮ “‬القوانين الطبيعية‮” ‬هي‮ ‬سنن الله الماضية في‮ ‬كونه وخلقه،‮ ‬لن تجد لسنة الله تبديلا أو تحويلا‮. ‬ولذلك قيل ـ بحق ـ علماء الكون والطبيعة مدينون باكتشافاتهم العلمية لمقولة‮ “‬لا إله إلا الله‮” ‬لأنها هي‮ ‬التي‮ ‬حررت عقولهم من التفكير الخرافي‮ ‬والمنهاج الأسطوري‮ ‬وعرفتهم بالمنهاج التجريبي‮. ‬

إن اهتزاز هذا النسق العام الموحد هو سبب تعثر الحضارات التي‮ ‬قطعت صلتها بالوحي‮ ‬فأصبحت عاجزة عن تجاوز‮ “‬ثنائيات‮” ‬عالم الغيب وعالم الشهادة،‮ ‬الزمني‮ ‬والروحي،‮ ‬الوسائل والغايات،‮ ‬كيف نعيش ولمن نعيش؟‮!‬

هذه‮ “‬الثنائيات‮” ‬لم تعرفها ولم تعانها الحضارة الإسلامية لأنها قامت على‭ ‬أساس من ذلك النسق القرآني‮ ‬العام القائم على التعدد والتميز والتجدد في‮ ‬إطار الوحدة،‮ ‬فالله سبحانه واحد والكون واحد،‮ ‬والإنسان واحد،‮ ‬والدين واحد،‮ ‬فالقرآن كون ناطق والكون قرآن صامت،‮ ‬الكون صنعه سبحانه والدين وحيه،‮ ‬فلا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يعارض وحيه صنعه،‮ ‬والآية ـ كما هو معروف ـ تطلق على‭ ‬الجملة القرآنية وعلى‭ ‬الظاهرة الكونية والطبيعية

فهناك إذن ما هو من شأن الخالق وحده سبحانه،‮ ‬مما لا‮ ‬يستطيع فكر البشر أن‮ ‬يهتدي‮ ‬إليه وينهض به،‮ ‬لقد أرسل الله سبحانه نبيا أميا وسط حضارتي‮ ‬الفرس والروم ليعلم البشرية أنها لا تستطيع أن تستغني‮ ‬عن الوحي،‮ ‬وأن عقل الإنسان مهما ترتقي‮ ‬مداركه لا‮ ‬يستطيع وحده أن‮ ‬يدرك ويعرف معنى الوجود والعلة من الخلق ومصير الإنسان بعد الموت‮..‬

عالم الغيب حق نهتدي‮ ‬إليه من خلال عالم الشهادة فالأول دليل للثاني،‮ ‬لا طغيان لأحدهما على الآخر ولا تناقض بينهما‮.. ‬والقرآن الكريم قد خص كلا منهما بوسائل معرفية مميزة،‮ ‬فعالم الشهادة بدرك بالعقل والحواس،‮ ‬وأما عالم الغيب فيستقل بأخباره الوحي‮ ‬ويقوم أصلا على الإيمان لا على المعاينة‮ “‬الذين‮ ‬يؤمنون بالغيب‮”. ‬

إن هذه الفلسفة المتميزة في‮ ‬العلوم التي‮ ‬انبنى عليها هذا النسق القرآني‮ ‬العام هي‮ ‬الإضافة الكبرى التي‮ ‬قدمتها الحضارة الإسلامية للإنسانية،‮ ‬وهي‮ ‬التي‮ ‬ينبغي‮ ‬إبرازها وإحكام صلتنا بها من جديد وتشكيل ذهنية الجيل الناشئ وفق خصائصها المميزة وجعلها أساسا لفلسفتنا التربوية والتعليمية‮. ‬

مقالات ذات صلة