هل هو انحراف عن مبادئ العقيدة الدبلوماسية الجزائرية؟
لا يختلف عاقلان في الجزائر، عن أن العناوين الكبرى للسياسة الخارجية للدولة من صلب الصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية، وهي المعادلة التي ينجر عنها أن من يقبل منصب وزير الخارجية، يقبل بالضرورة بأن يكون مجرد ظل للرئيس، الذي يتمتع بصلاحيات لا حدود لها في هذا المجال، ومع ذلك يجمع كبار المتتبعين للشأن الدبلوماسي في البلاد، أن رمطان لعمامرة، من ألمع الإطارات التي أنجبتها المدرسة الدبلوماسية الجزائرية، وأنه لا يقل وزنا عن أساتذته في هذه المدرسة، وأبرزهم على الإطلاق محمد الصديق بن يحيى ولخضر الإبراهيمي، ولكن هل ما نطق به رمطان، خلال الندوة الصحفية المشتركة مع نظيره المصري نبيل فهمي، كان قناعة من الرجل، أم انعطافا تاريخيا في مسار العقيدة الدبلوماسية الجزائرية؟
سيذكر العالم إلى نهاية الزمان، أن الجزائر وتحديدا وزير خارجيتها في سبعينيات القرن الماضي، والرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، هو من طرد نظام الأبارتايد في جنوب إفريقيا من المنتظم الأممي، على الرغم من أن دولة جنوب إفريقيا كانت قائمة، كما سيحتفظ التاريخ للجزائر أنها من بين آخر الدول في العالم التي اعترفت بالمجلس الانتقالي في ليبيا، وهي مبادئ أخلاقية تحسب للجزائر، غير أن الخرجة الأخيرة لوزير الخارجية رمطان لعمامرة، وتصريحاته التي مفادها أن الجزائر تعترف بالدول ولا تعترف بالحكومات والأنظمة، خلال استقباله لوزير خارجية الانقلاب نبيل فهمي، كلام يجب أن توضع تحته مجموعة من الخطوط الحمراء.
بالفعل قد يكون من باب أولى أن تعترف الدول بالدول، حتى لا يختل ميزان العلاقات الدولية بكل حركة بسيطة أو ريح عابرة، ولكن لا يعقل أن تصم الجزائر الأذان عن صرخات آلاف القتلى والأرامل والأيتام، المتعالية وهي نتاج نظام انقلاب دموي نفذته “طغمة عسكرية”، استولت على الحكم بالقوة في مصر، بعد انتخاب رئيس من طرف الشعب، مهما كان هذا الرئيس إسلاميا أو مسيحيا، لأن المبدأ هو رفض الانقلاب وليس تبريره عندما يتعلق الأمر برئيس ينتمي حزبيا.
قد يكون المبرر الذي سوقت له الجزائر ووزير خارجيتها على وجه الدقة صحيحا، ولكن سيحسب على الجزائر في محفل الأمم أنها لا تعارض التعامل مع الأنظمة الانقلابية، بل وقد يحسب عليها أنها تريد التأسيس لهذا النمط وهي من هي، من حيث الوزن داخل الاتحاد الإفريقي.
دولة كمبوديا عانت من عزلة عالمية بسبب المجازر الدموية الرهيبة للخمير الحمر، والتي لم يسلم منها حتى نورودوم سيهانوك (31 أكتوبر 1922 – 15 أكتوبر 2012) الذي تحالف مع الخمير الحمر مما مكّنهم من حكم البلاد، وأمثلة مشابهة للنظام الكمبودي كثيرة في العالم، فهل تريد الجزائر الانقلاب على عقبيها وتتحول إلى دولة تساند من هب ودب، حتى وإن وصل إلى الحكم على ظهر الدبابة، السؤال موجه لرمطان لعمامرة، لتوضيح أسباب رفض الجزائر ذاتها الاعتراف بنظام بول بريمر، الذي حكم العراق بعد صدام حسين، والاعتراف بالمالكي الذي يحكم العراق اليوم بطائفيته المقيتة، ثم لماذا تعترف الجزائر بمصر الدولة وتبقي على الحدود الدنيا في تعاملها مع العراق الجريح.
قد يكون لكلام لعمامرة، أن الاعتراف بالدول وليس بالحكومات والأنظمة، بعض المعنى في مملكة أفلاطون، ولكن هل الدولة كمصطلح (الأرض والشعب والنظام) تقتل الناس وتسجنهم وترهبهم وتعذّبهم، الجواب، لا، لأن الذي يقتل ويقود الانقلابات ويقمع ويسجن الناس، هي الأنظمة الانقلابية الدموية التي تعمل خارج الدساتير لصالح أجندات هي في الغالب تحكمها لوبيات عابرة للأوطان.
كان من الأصلح للجزائر ولعقيدتها الدبلوماسية، لو صمتت مؤقتا إلى غاية حل الإشكال المصري في مؤسسات الاتحاد الإفريقي.