-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل هو تعميم للمسخ الذاتي؟!

حمزة يدوغي
  • 2536
  • 0
هل هو تعميم للمسخ الذاتي؟!

أذكر أنه عندما أنشىء المجلس الأعلى للغة العربية، وكنت عضوا فيه ممثلا عن وزارة الاتصال والثقافة، وخلال حفل التنصيب الذي أشرف عليه الرئيس اليامين زروال بنفسه، سأله أحد الأعضاء: من يضمن يا سيادة الرئيس أن يحظى هذا المجلس عند من سيأتي بعدكم بهذا القدر نفسه من العناية والاهتمام؟! فأجاب مبتسما: إن الذي سيأتي بعدي سيكون جزائريا على كل حال، ومن الطبيعي أن يكون من أولويات اهتمامه استكمال السيادة الوطنية بتطبيق هذا القانون القاضي بتعميم استعمال اللغة العربية!

وأذكر كذلك أن الكثير منا لم يستصغ هذا السؤال الذي لم نر له داعيا لكن الأيام كشفت أن ذلك السائل كان أبعد منا نظرا..

لقد كتبت في هذا الركن منذ أسابيع عن “غربة اللغة العربية بين أهليها” وقلت إن ابن باديس الذي كتب يوما عن الإسلام الذاتي والإسلام الوراثي لو بُعث اليوم ورأى مسؤولين في الدولة يخاطبون شعبهم باللغة الفرنسية بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال لكتب بدمع العين لا بحبر الدواة عن “المسخ الذاتي”.

ويبدو أن الأقلية التغريبية النافذة التي يحلو لها أن تمارس على نفسها هذا المسخ الذاتي ماضية في عنادها المحموم ومصممة على “تعميمه” ليشمل الجيل الناشىء بأكمله وذلك بتجريده من عناصر هويته ومقومات شخصيته؟

لقد صدمت – ككل الجزائريين – بتلك “التوصيات” التي صدرت عن الندوة الوطنية للتربية التي تقترح إلغاء المواد الدراسية المتعلقة بعناصر الهوية الوطنية في امتحان البكالوريا وتوجت ذلك باقتراح استعمال العامية في المرحلة الابتدائية، بدعوى “أن اللغة الفصحى تصدم الأطفال”، وكل ذلك باسم الإصلاح وجزأرة التعليم وعصرنته!

إن أول ما تبادر إلى ذهني عند سماعي هذه “الخرجة” العجيبة، تساؤل يرد على خاطر كل عاقل: هل سمعنا يوما عن ألماني أو ياباني أو انجليزي أو فرنسي أو ما شئنا من الأجناس البشرية قال: إن لغة المدرسة تصدم الأطفال وهل هناك دولة واحدة في العالم تعلم أبناءها بإحدى لهجاتها المتعددة؟! كلنا يعلم أن جميع الدول تعلم أبناءها بلغة واحدة هي عنوان شخصيتها ورمز سيادتها وضمان وحدتها مهما يتعدد – بعد ذلك – نسيجها اللغوي والاجتماعي والثقافي، لأن وحدة اللغة هي التي تجعل من ذلك كله عنصر ثراء وغنى لا عامل تصدع وتشتت..

ثم قلت في نفسي، هل يحتاج الرد على أ  صحاب هذا “الاقتراح” تقديم بعض الحقائق والمسلّمات بخصوص علاقة اللغة بالعقيدة والتراث والتاريخ وأثرها في الفكر والإبداع، وتعزيز هذه الحقائق والمسلمات بأمثلة مشهورة من أقوال الفلاسفة والمفكرين ومواقف رجال السياسة في مختلف بلاد العالم؟! وما الفائدة المرجوة من ذلك؟ هناك مثل غربي يقول “ليس هناك من هو أكثر صمما من الذي لا يريد أن يسمع”.

إننا أمام فصل آخر من فصول المؤامرة التي لم تتوقف منذ الاستقلال وأمام مشهد آخر من الصراع بين هذه الأقلية الفرانكوفيلية التغريبية النافذة وبين سائر الجزائريين المتمسكين بعناصر هويتهم وشخصيتهم والحق أن أجزاء كبيرة من هذه المؤامرة قد تحققت وهل يحتاج من يعيش اليوم واقع الجزائر طولا وعرضا وعمقا إلى أمثلة يستدل بها على التردي المخيف الذي بلغه الوضع اللغوي فيه؟ لقد أصبحت “الدارجة الهجينة” تنافس الفصحى وتمتد في مجالات عديدة، بدءا بالإشهار الذي لم يعد للعربية الفصحى فيه مكان.

أعود إلى توصيات الندوة وإلى هذا النوع من “التفكير” ولا أقول “الاقتراح” لأن المسألة هنا تتعلق بذهنية ووجدان! فالذي يقترح استعمال العامية في تنشئة الجيل يكشف عن تشكيل ذهنية مضطربة ووجدان سقيم، لأن معنى ذلك أن عناصر هويته ومقومات شخصيته لا يؤمن بها عقله ولا ينبض بها قلبه، فهو كائن مستأصل غريب لا يتجاوز انتماؤه إلى وطنه بعده الجغرافي.

ومن المؤكد أن هذه العوامل كلها هي التي تفضح هشاشة حججهم وتناقضاتهم ومغالطاتهم عندما يحاولون في جرأة عجيبة تسويغ هذه الاقتراحات والدفاع عنها.

فإذا سارعت شخصيات علمية وفكرية إلى التنديد بها والتبصير بمخاطرها قالوا إنها مجرد توصيات لم تقرر بعد، فلم كل هذا التهويل؟

وإذا نطق بعض ممثلي الأحزاب السياسية واستنكروا هذا المسعى قالوا إن المسألة بيداغوجية بحتة فاتركوها للأخصائيين، ولا تسيسوا المدرسة ولا تجعلوا من الثوابت سجلا تجاريا.

وكأن تشويه جيل كامل أو أجيال بتسميم عقولها وألسنتها ووجدانها ليس سياسة، وليس تخطيطا لتحقيق ما عجزت عنه فرنسا وإن لم تيأس يوما من إمكان ذلك وإذا صرخ في وجوههم كل عاقل واع سويّ: هل في الدنيا كلها وزير للتربية لا يحسن لغة المدرسة؟!

قالوا: العبرة في المسؤول هي الكفاءة وليست اللغة.

إنه العناد والجهل والغرور.. والعزة بالإثم.. لقد نبه علماء ومفكرون جزائريون منذ السنوات الأولى للاستقلال، وما يزالون ينبهون إلى خطر الاستهانة بعنصر اللغة في الحفاظ على الوحدة الدينية والوطنية وفي تشكيل ذهنية الجيل وصياغة وجدانه.

في سنة 1987 شكلت لجنة بحث في مستوى المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة كلفت بإعداد “دراسة مستقبلية للجيل الصاعد”، وأذكر أننا في إحدى الجلسات التي استعرضنا فيها مختلف الجوانب التي ينصب عليها البحث لاحظ المرحوم الدكتور عبد الله شريط غياب جانب اعتبره محورا أساسيا في هذا الملف، ألا وهو العنصر اللغوي والانطلاق من “المعجم اللفظي”.

المتداول بعفوية في واقعنا اليومي، أي لغة الشارع كما يقال، ورصد هذا المعجم ومدى حضوره في السلوك الفردي والجماعي من جهة، والعمل من أجل تصفيته وتنقيته من كل لفظة غريبة دخيلة لتصبح “الدارجة” قريبة جدا من الفصحى وممهدة لتلقي أبنائنا لها في المدرسة بسهولة.

ثم ضرب مثلا لذلك فقال: إن تعبير شبابنا عن شعورهم الوطني وابتهاجهم بكل انتصار تحققه الجزائر في أي مجال باللغة الأجنبية “وان تو ثري فيفا لالجيري” مؤشر غير صحي وظاهرة سلبية تستأهل العناية وتتطلب العلاج.

واليوم، بعد عمر جيل كامل لم يعد الخطر محصورا في معجمنا اللفظي الذي ازداد تلوثا واغترابا عن الفصحى بل الخطر اليوم آت من إرادة واضحة “لتلويث” جيل كامل يجعل هذا الخليط الهجين هو لغة المدرسة، والهدف واضح، هو أن تصبح الفرنسية – عمليا- هي العنصر الموحد الوحيد للجزائريين، فتظل الجزائر كما يراد لها أن تكون: رهينة حضارية، حبيسة لغة واحدة هي الفرنسية لا غير.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • DZIRI ARGUEZ

    J'ajoute également qu'on doit être gouvernés par des responsables qui puisent leurs décisions d'études de projets menées selon des critères scientifiques, stratégiques, socio-économiques, souverains et culturels. Il est paradoxal de tirer la charrette à reculons. Nul n'a le droit d’hypothéquer notre avenir et celui de nos enfants sous prétexte de "moderniser" l'éducation nationale. La langue arabe est la langue universelle. Un jour proche viendra confirmer cette affirmation. Merci de publier.

  • طيب

    مانظر تعقيبي على التعليق الاول اين اقترح شيء عملي لا يحتاج لدعم سياسي وانما يمكن اي واحد منا البدا و نتعاون على ذلك عبر تطبيق يمكن تطويره اذا كان هناك من يسانده معنويا اي يرى جدوى المشروع و يتوقع استعماله

  • طيب

    هذا ما اقترحته ولكن سيء فهمي... عندي فكرة عملية لتنقية الدارجة من الكلمات الفرنسية وغيرها في الشارع في مداولاتنا اليومية و الترويج له بانه استكمال للتحرير
    ارى ان التكلم بالفصحة في مداولاتنا اليومية بعيد المنال, وللتسهيل يمكن الكلام بالعامية لكن ناقص المفردات الفرنسية
    رغم محاولتي الشخصية الا اني اجد صعوبة لاني لا اعرف الكلمات العربية المناسبة فاتردد ثم الجئ للفرنسية
    يمكنني تطوير صفحة وتطبيق على الهاتف عبارة عن قاموس يساعد العامة على ايجاد الكلمة البديلة بالعربية.

    ما رايكم؟

  • Dziri Arguez

    L'article 3 de la constitution stipule que la langue arabe est la langue officielle de la République Algérienne Démocratique et Populaire. Toute tentative de dénigrer la langue officielle du pays, aussi anodine qu'elle puisse paraître aux yeux des uns et des autres, est un acte anticonstitutionnel passible des peines prévues par la loi. Il va sans dire que dans ce contexte, la stigmatisation, l'improvisation ou toute autre manœuvre visant à tâter le terrain est punissable par la loi.

  • أحمد زان

    « L’enseignement dans les toutes premières années du primaire et du préscolaire. »
    Un sujet à débat quand même mais sans polémique aucune, s’il vous plait:
    Aidons les décideurs dans leur démarche. Je me permets de m’immiscer sereinement dans ce débat qui s’est introduit soudainement dans la société malgré nous. Nous réagissons au lieur d’agir comme s’est écrit dans le Saint Coran : « Agissez, Dieu verra vos actions ainsi que le Prophète et les Croyants ».
    Le métier d’enseignant m’a rendu heureux j’ai eu à faire apprendre aussi bien l’arabe que le français. C’est là, vous devinez mon désir ardent de voir la promotion de l’enseignement de l’arabe mais aussi celui du français en tant que langue étrangère.
    L’arabe, l’hébreu et l’éthiopien (langues consonantiques) s’apprennent en moins d’une année si la méthode appropriée se fait valoir (connaitre déjà un mot donné pour le lire correctement). On n’

  • أحمد زان

    فخ بيداغوجي: بعد التدريس بالدارجة في الأولى والثانية يجد التلميذ الجزائري نفسه في الثالثة أمام العربية والفرنسية والنتيجة معروفة.
    Alain (Émile Chartier) a dit: Si ces, soit disant, pédagogues ne sont pas détournés de leur proie, il arrivera que les Enseignants sauront beaucoup de choses et les élèves rien du tout.

  • أحمد زان

    … سبب قوة المسلمين حسب دراسة الغرب هي: اكتشف الغرب أن قوة المسلمين تكمن وبكل بساطة أن الطفل المسلم من 3 سنين إلى 6 سنين يذهب للكتاب ويحفظ القرآن، ومن 6 إلى 7 سنين يحفظ 1000 بيت لألفية بن مالك تحوي على كل قواعد اللغة الفصحى . 7سنين طفل جبار un génie كون القرآن فيه 77439 كلمة. قال الفرنسيون والأنجليز آنذاك: إن الكتاتيب هم السبب لا بد من محاربتهم. اضطهدتهم فرنسا في إفريقيا بطريقتهم بالمنع إلا من رحم ربك واصلوا هذا التعلم تحت القهر والحاجة والفقر أما الانجليز لجؤوا إلى تحطيم السمعة بإنشاء مدارس للأسياد بتعليم المتفوق، وبطرق ناقصة للآخرين ليتسنى لهم التحكم ف

  • رشيدة

    باختصار دعوا المراة تعمل في هدوء

  • عبدالقادر سئم البكاء على الاطلال

    لقدسئمنا الكلام من دون جدوى.صحيح ان تشخيص الامور وذكر المواقف والثبات على المبادئ شيء جميل لكن ان الفرنكوفيل يفعلون مايشاؤون ويجاهرون باقوالهمواعمالهم وغاشي المثقفين باقي نيام او أخرس كالشياطين او يكثر الكلام ولا حضور له في الميدان عدابعض الكتابات.الحق يجب ان يقال ويتبعه افعال واعمالاتدرون لماذا ياجمعيات ويامعارضين لمذاوصلت الاحوال لهذا المحال؟لانكم ليس لكم قاعدةشعبيةوالشعب اجبر على قبول فساد المفسدين لانه لم يجد لهم بديل فعال في الميدان.يكفينا اقوال ارونا ما انتم فاعلون من اجل تغير هذه الاحوال.

  • احمد بوعلال

    يريدون ان ينفذوا ما عجز عنه الاستدمار مدة 132 سنة ان شاء الله سيخيب سعيهم كما خاب سعى اسيادهم فالجزائر التى انجبت ابن باديس بعد ان فرحت فرنسا بالاحتفال بمئوية احتلال الجزائر لهى قادرة على انجاب من يدمرون مخططات الاقلية المتغربة التى تريد ان تصبح الجزائر دون هوية

  • يونس

    الله يفتح عليك
    فعلا انها مؤامرة لضرب الهوية العربية الاسلامية للأمة، واصحاب هذه المؤامرة يسعون دوما للولوج عبر ثغرات ضيقة يهتدون اليها بفعل تدبيرهم الشيطاني وبتواطؤ مع جهات غربية. وقد اهتدوا هذه المرة الى اللجوء للداراجة باعتبارها وسيلة سهلة للتعلم.
    لا ينبغي الاكتفاء بالردود السطحية الساخرة من "الاقتراح" وإنما يجب الاحتشاد لدحض هذه الأفكار السامة بالحجج حتى يفهمها الجيل الناشئ. ولا ينبغي تجنيب السلطة السياسية مسؤولية هذه المسخرة فهذه السلطة اعتادت إطلاق بالونات الاختبار مثل اقتراحبن غبريط.

  • زينة

    بارك الله فيك يا استاذ كم اتمنى ان يقرا المطبلون لبن غبريط ما كتبته ويفكروا فيه قليلا ولكن للاسف المثل الغربي الذي ذكرته هو السائد عندنا
    ولقد نوهت الى امر يجول في خاطري وخاصة بعد ظهور هذه المهزلة وهو لماذا لا نسعى الى ترقية الدارجة وتنقيتها من الكلمات الاجنبية وتقريبها من العربية الفصحى بدل ان نستهين بالفصحى و نتطاول عليها واعتقد ان هذا واجبنا جميعا للحفاظ على هويتنا؛ و لنا تجارب ناجحة من خلال الافلام و الاعلام في اسبعينيات ولكن وللاسف هناك من اجهضظوا هذه المبادرة بدل ان يدعموها و يطوروها