الرأي

هل يتجاوز المصريون الكمين التاريخي؟

صالح عوض
  • 3735
  • 6

تقف مصر بكل مكوناتها السياسية والثقافية في امتحان لعله الأعنف في تاريخها في محاولة من البعض لكسر حركة التاريخ التي تندفع بفعل تراكم الثقافة والوعي العام، وفي محاولة من البعض الأخر لاستئناف الحياة على هدي من الهوية الحضارية، والتزاما بمسؤوليات الدور الإقليمي والتاريخي، وهنا يصبح الصراع ..وينبغي أن لا يغيب لحظة عن البال أن هناك ارتباطات إقليمية ودولية بما يحصل في مصر إذ أن لون الصراع الحاد الأن في مصر له علاقة وثيقة بفلسفة العلاقات الإقليمية والدولية.

والأمر الذي يثير الخوف على مسار الانتقال السلمي نحو نظام يكرس الحريات وحقوق التعدد السياسي يكمن في إصرار مجموعات سياسية على فرض رؤاها وخططها على الكل المصري، مستخدمة في ذلك وسائل الإعلام العديدة وأساليب التحريض بل وممارسة القتل والحرق للمؤسسات العامة والملكيات الخاصة..والخوف هنا يأتي كون أن هذه الممارسة تستدعي الديكتاتورية والأحكام المشدّدة وتحويل الأمر إلى ما يشبه حالة طوارئ.

لن يجدي نفعا كل ما تحاوله الجهات التي تعمل على إحباط المسيرة السياسية في مصر، ولن يكون لها أكثر من إثارة الزوابع في البلد، ومن الواضح أن من يتزعمون الأمر اليوم، والذين يقفون على بوابات المعارضة، لايملكون من القدرة على الحشد الجماهيري ما يكفي لكي ينالوا الأغلبية في التصويت على الدستور..وهم يتبوؤن موقعا لن يكون في صالحهم عندما يصبحون الغطاء السياسي للفلول وللبلطجية وللاعتداءات بالحرق والقتل والتشويه.

إن الملفت للانتباه في المشهد المصري ضبط النفس الذي يمارسه الإخوان المسلمون أمام عمليات حرق مقراتهم والاعتداء بالقتل على شبابهم وعلى عمليات التحريض الواسعة التي تشمل قياداتهم وكوادرهم..قد يكون صحيحا أنهم يريدون تفويت الفرصة على من يريد صرف الانتباه والاهتمام عن السير نحو الاستفتاء على الدستور..ولكن رغم وجاهة هذا الاعتبار لابد من النظر إلى تجربة الإخوان المسلمين في مصر بالذات، على اعتبار أنها تجربة نضال سلمي وسطي يرفض ممارسة العنف في الوصول إلى مواقع القرار إنما من خلال الانتشار والتوسع التنظيمي الذي بالفعل أثبت قدرته الفائقة على إملاء الشغور الحاصل.

إنه لكمين خطير، ذلك الذي ينتظر العملية السياسية في مصر بعد أن تفاجأ الجميع بقوة الإخوان التنظيمية وبقوتهم على الحشد، وبقدرتهم على توفير العدد الكافي من الكوادر الذين يستطيعون أن يكوّنوا كتلة كبيرة في تسيير البلد..فهل تنتحر حركة الإخوان المسلمين أم تتنازل أم أنها ستنتصر في السير إلى الاستفتاء وحكم البلد إلى عشرات السنين القادمة.

الغريب أن من يحمل راية التصدي للإعلان الدستوري الذي أعلنه الرئيس المصري هم من أتباع أفكار ديكتاتورية أو نظام ديكتاتوري ..وهم في ذلك لا يدافعون عن حقوق إنسان أو أنهم يتصدون للدستور أو الإعلان الدستوري أو أي نص له علاقة بالإسلام فهم يعرفون أكثر من أي أحد أن المسألة لها علاقة بملفات حفظها النائب العام السابق، وأن النائب العام الجديد سيفتح هذه الملفات، الأمر الذي يهدد مصالح شريحة كبيرة تستفيد من وجود رموز النظام السابق..

ستكون العشرة أيام القادمة مليئة بالتجاذبات والمشاحنات، ولكن ستسير نحو الاستفتاء، وسيكون لمصر دستور بعدها، وستفتح صفحات المحاسبة لرموز وقيادات سابقة كانت في النظام السابق..وبذلك تتجاوز مصر الكمين التاريخي.

مقالات ذات صلة