الرأي

هل يقع الرئيس “ترامب” في فخ توسيديدس؟

من بين ما ركزت عليه وزارة الخارجية الصينية في تلخيصها للزيارة التي قام بها الرئيس دونالد ترامب للصين 3 مسائل:
– “بناء رؤية جديدة تقوم على مبدأ الاستقرار الاستراتيجي”.
-“تجاوز “فخ توسيديدس” وابتكار نموذج جديد للعلاقات بين القوى الكبرى”.
– اعتبار “قضية “تايوان” هي القضية الأكثر أهمية في العلاقات الصينية-الأمريكية.
والمسائل الثلاث المذكورة آنفا مترابطة إلى حد كبير: القضية الثالثة (تايوان) هي التي يمكنها إيقاع الولايات المتحدة في فخ “توسيديدس”! واحتمالية الوقوع في هذا الفخ هي التي ستحكم بناء رؤية قائمة على مبدأ الاستقرار الاستراتيجي من عدمه!
لماذا تبنت الصين هذا الطرح، وما الذي يعنيه خلال هذه الزيارة بالذات؟
بداية ينبغي أن نشير إلى أن لجوء الرئيس الصيني لمثال “توسيديدس” من دون اللجوء إلى أمثلة مُستخلَصة من التاريخ الصيني العريق وما أكثرها يحمل رسالة إلى الرئيس الأمريكي من داخل إطاره الحضاري ومن داخل إدارة وزارة الدفاع الأمريكية ذاتها. فتوسيديدس هو مؤرخ يوناني اشتهر بمؤلفه المعروف عن حرب “البيليبوناز” بين اسبرطا وأثينا، التي دامت 27عاما من عام 431 قبل الميلاد إلى 404 قبل الميلاد والتي خلص فيها إلى أن حربا غالبا ما تندلع عندما تظهر قوة صاعدة تُهدد هيمنة قوة قائمة مهيمنة. أما “غراهام أليسون” الذي استخلص نظرية “فخ توسيديدس” استنادا إلى الوقائع التاريخية التي عرفتها الحرب بين اسبرطا وأثينا فقد كان أكاديميا وباحثا سياسيا واشتغل مستشارا لعدد من وزراء الدفاع الأمريكيين، خاصة في فترة الرئيس “بيل كلينتون”.
وفي هذا إيحاء واضح للرئيس ترامب مفاده إذا كنتم قوة قائمة مهيمنة فنحن القوة الصاعدة التي يمكن أن تطيح بقوتكم.
وقد أدرك الإعلام الغربي في معظمه هذه الرسالة، خاصة عندما ربطها بالموقف من تايوان. فقد جاء في تصريح الخارجية الصينية أنه إذا تمت معالجة مسألة “تايوان” بشكل سليم، فستتمتع العلاقات الثنائية باستقرار عام. أما إذا لم تُعالج بصورة صحيحة، فقد تدخل الدولتان في مواجهات، بل وحتى صراعات، مما سيعرض العلاقة بأكملها لخطر كبير.
وفي هذا رسالة واضحة للأمريكيين تقول: توقفوا عن تسليح “تايوان” التي تعد جزء من البر الرئيس الصيني إذا أردتم العمل وفق مبدأ الاستقرار الاستراتيجي الذي يخدم البلدين ويخدم السلام العالمي، أي المطلوب منكم بوضوح، تجميد صفقة الثلاثين مليار دولار التي وعدت بها الولايات المتحدة “تايوان” في السنوات القادمة.
فهل يمتثل الرئيس الأمريكي لهذا المطلب ويتجنب الوقوع في فخ “توسيديدس”، أم سيقع في الفخ ويدفع الثمن؟
تحكم هذه المسألة متغيرات أخرى لا تقل عن هذا المتغير أهمية، وتتعلق أساسا بالعلاقات التجارية بين البلدين، إذْ يحتاج كلاهما الآخر ومضطر لقبول التعامل معه في كل الحالات، وقد دلت طبيعة الوفد الأمريكي المرافق للرئيس ترامب على هذا بالنظر للأولوية التي حظي بها قادة التكنولوجيا الأمريكية وعلى رأسهم إيلون ماسك، كما بينت الصين للوفد الأمريكي أنها مازالت تشعر بحاجتها للتكنولوجيا الأمريكية المتقدمة وللسوق الأمريكية.
ولعل هذا ما يفسر انتهاء الزيارة من دون بروز مواقف حادة من الطرفين ولا صدور بيان ختامي يُلخِّص النتائج ويُبرز الالتزامات، وهو ما يجعلنا نُدرك أن القضايا العربية والإفريقية تبقى رغم أهميتها بالنسبة لنا قضايا من الدرجة الثانية بالنسبة للقوى العظمى سواء تعلق الأمر بمضيق هرمز أو فلسطين أو لبنان أو غيرها من قضايا الجنوب، الأمر الذي يُلزمنا بوضع مأزق ترامب مع الصين أو العكس ضمن سياقه الواقعي بعيدا عن كل حسابات وهمية.
بكل تأكيد سيؤثر وقوع الرئيس ترامب في فخ “توسيديدس” على مجمل أو ضاعنا، ولكن نجاته من الفخ أيضا لا تعني بالضرورة أنه سيحقق لنا مكاسب.. علينا إذن أن نعيد طرح السؤال مرتين: ماذا لو وقع الرئيس ترامب في فخ توسيديد؟ وماذا لو نجا منه؟

مقالات ذات صلة