إيران تفوز والغرب ينهزم
هل يمكن للمعتدلين في واشنطن أو طهران إيجاد حل وسط قبل الانفجار؟
تنطلق القراءة الغربية لواقع الانتخابات الرئاسية الإيرانية من خلفيات إقليمية ودولية قابلة للاستثمار على قاعدة حاجة الغرب عموماً والولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً إلى أوراق تفاوضية في ملف برنامج إيران النووي والصاروخي، وإلى المزيد من الوقت لاستجلاء الرؤية العامة في إيران بعد ما أظهرته الانتخابات الرئاسية في 12 جوان 2009 من نتائج، قد تعكس من جديد الانقسامات العميقة بشأن مستقبل إيران في السنوات الأربعة القادمة.
-
وتعتبر الرئاسيات في إيران أولاً وأخيراً، امتداداً للسياسة الخارجية لأي دولة إقليمية كبرى تعمل على امتلاك أدوات الردع والإقناع، ومن هنا ُيفسر اهتمام عواصم الدول الغربية وباقي دول العالم المتعاظمة في الشأن الإيراني، وأبرز تجلياته ومظاهره الصراع القوي القائم بين أجنحة النظام السياسي بشقيه المحافظ والإصلاحي، من أجل السيطرة على مقدرات البلاد في انتظار الخطوات الجبارة عند لحظة امتلاك طهران القدرة النووية. ومما يعزز هذا الاتجاه، مقاربة العواصم الغربية للأوضاع السائدة إقليمياً واعتقادها بالقدرة على استثمارها في اتجاه الواقع السياسي الإيراني.
-
-
ورغم أن الشارع الإيراني هو الذي رجح كفة محمود أحمدي نجاد بـ 62.6 % من الأصوات، وهو الموصوف بالتطرف والشدة داخلياً وخارجياً مقارنة بكثير من المرشحين الذين وصفوا هم في المقابل بالاعتدال أمثال مير حسين موسوي الذي جاء في المرتبة الثانية بـ 33.75 % من الأصوات، وحصول كل من محسن رضائي 1.73 % ومهدي كروبي 0.58 % على المرتبة الثالثة والرابعة على التوالي وبفارق كبير، وضمن له الفوز برئاسة الجمهورية، إلا أن الشعب يبدو أنه سيكون أول الضحايا الذين سيعانون جراء سياسة التشدد تجاه الغرب وخصوصاً أمريكا، حيث تتصاعد فاعلية العقوبات الاقتصادية تدريجياً إضافة إلى التهديدات باستعمال القوة من قبل إسرائيل وفق سيناريوهات الحرب التي وضعها الخبراء والعسكريين، في مواجهة المشروع النووي الإيراني.
-
-
في واشنطن تحدث الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن “إمكانية تغيير” في العلاقات الأمريكية الإيرانية بعد الانتخابات الإيرانية، كائنا من كان الفائز في هذه الانتخابات.
-
-
أما في إسرائيل، فقال داني ايالون نائب وزير الخارجية الإسرائيلي انه “إذا كان هناك أمل بحصول تغيير في إيران، فان إعادة انتخاب أحمدي نجاد تظهر أن التهديد الإيراني أصبح أكثر خطرا”.
-
-
ومن جهته، اعتبر المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية (المعارضة) أن إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية الإيرانية سيؤدي إلى “تزايد قمع المعارضين” بالإضافة إلى “مضاعفة الجهود للحصول على القنبلة النووية”.
-
-
ويمثل الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد وأقرانه من الساسة والعسكريين والإيديولوجيين، جزء أساسي في منظومة ـ غير رجال الدّين المحافظين ـ التقليدية الذين يمثلون القاعدة الصلبة من أجل العودة إلى أساسيات وأصول الثورة الإسلامية التي فجرها آية الله الخميني. ومع ذلك، لا ينفي هذا وجود معتدلين من المحافظين في السلطة في إيران يبحثون عن أرضية مشتركة.
-
-
الطموح النووي الإيراني لا يعبر فقط عن الكرامة الوطنية للأمة الإيرانية والسيادة أو المواجهة مع الغرب الاستكباري. أولا، وقبل كل شيء هو سباق من أجل السلطة والنفوذ بين جيلين متنافسين واتجاهين متنازعين داخل الساحة السياسة الإيرانية.
-
-
وللعلم، وصل الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى السلطة في جوان 2005 لسببين رئيسيين:
-
-
1 ـ تحدي الجيل القديم المسن من السياسيين ورجال الدّين، بعد أن خفتت شعلة الثورة عندهم بعد عقود من الحكم والمسؤولية.
-
-
2 ـ التحول في المنحى الجيوستراتيجي داخل الدائرة المغلقة للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران آية الله علي خامنئي، حيث شعر أن الثورة الإسلامية في خطر بعد غزو الولايات المتحدة الأمريكية أفغانستان والعراق.
-
-
مصلحة فريق الرئيس أحمدي نجاد كانت تقتضي القدرة على التحكم والاستثمار في الواقع السياسي الداخلي، خصوصاً في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ إيران، فسياسة قلب الطاولة، أو لعبة حافة الهاوية كما يقول البعض يصعب التحرك فيها بحرية، ومن هنا تُفسر مواقف المعارضة البرغماتية التي يمثلها جانب أساسي ومهم في تيار المحافظين من كل الملفات الداخلية وعدم لجوئها إلى مواقف ذات توجهات حاسمة، نظرا لحساسية الأوضاع، وعدم رغبتها في مواجهة “الباسدران” (حراس الثورة الإسلامية) و”الباسيج” (قوات التعبئة الشعبية التي أسسها الخميني ويبلغ عدد أعضائها قرابة ثلاثة ملايين إيراني من الرجال والنساء، مهمتها هي البناء في حالة السلم والدفاع عن البلاد في حالة الحرب) الجهة القوية الثانية مع مرشد الثورة الداعمة والمساندة للرئيس أحمدي نجاد وفريقه الحكومي.
-
-
هذا الجيل خاض حرباً طويلة مع العراق، وقدم الكثير من التضحيات الجسام، في حين وبمرارة شديدة، شاهد رجال الدّين وهم يخوضون في السلطة ومتاعها، وصراعات الأجنحة والنفوذ.
-
-
ربما يصعب على الكثيرين في واشنطن أن تقبل فكرة وجود معتدلين في النظام الإيراني، لكن، يبقى أن آية الله خامنئي ـ رغم ما يقال عنه ـ رجل دين واقعي وسياسي متبصر، يرى أن العالم يتحول وأن التحليل المنهجي يفرض عليه قراءة المعطيات بميزان التكاليف والفوائد. حتى انه سعى في وقت ما إلى حل وسط مع الغرب عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً في ماي 2003 ونوفمبر 2007.
-
-
ورغم أن الكلمة الأخيرة بخصوص جميع أمور الدولة الإستراتيجية بما فيها القضية الأولى للنظام، الملف النووي، تعود إلى المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي إلا أن الكثيرين حملوا حكومة أحمدي نجاد المسؤولية عن الأزمة الحالية مع المجتمع الدولي.
-
-
إن المحافظين المعتدلين في إيران، وأبرزهم المرشح الخاسر مير حسين موسوي، لا يزالون يبحثون عن أرضية مشتركة مع الآخرين في السلطة. وهم كما جاء وصفهم في بعض مراكز الدراسات الإستراتيجية الغربية بالجيل الوسط بين كبار السن الذين شاخوا وأصبح يتعذر عليهم التحمس من جديد لمفاخر الثورة الإسلامية ونضالاتها، والجدد من الشباب الذين لا ينظرون إلى أبعد من ذلك، أي العيش في كنف “الثورة” والتمتع بمزاياها دون تقديم التضحيات أو الاعتراف بنضالات الغير.
-
-
ومن الأمثلة الحية على جيل الوسط لدى المحافظين المعتدلين:
-
-
ـ نائب رئيس الجمهورية برويز داوودي، 57 عاما، الحاصل على الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة ايوا الأمريكية، الذي يريد نهج سياسة الأسواق الحرة والاقتصاديات المفتوحة (الرأسمالية).
-
-
ـ رئيس البرلمان الإيراني والمفاوض الرئيسي السابق للملف النووي، علي لاريجاني، 51 عاما، الذي له خلفية فلسفية غربية مشهود لها. وقد قام بنشر كتب نقدية عن إيمانويل كانت، أحد أكثر المفكّرين المؤثرينِ في المجتمع الغربي والأوروبي الحديث والفيلسوف الرئيسي الأخير لعصر التنوير، يعرف جيداً كيف يدمج بين العقل والتجربة في المفاوضات الشاقة الإيرانية ـ الغربية.
-
-
ـ ووزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي، 56 عاما، الذي قال في حديث له سابق مع الـ (CNN): “نحن نسمع الأصوات الجديدة في أمريكا… ونعتقد أن المفكرين العقلانيين في أمريكا يمكن لهم أن يطّلعوا على الواقع كما هو قائم، دون أن يتأثروا بدعاية مغرضة. ونحن على استعداد تام لمساعدتهم في هذا المسعى”.
-
-
وفي رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش في ماي 2006، وهي ذات دلالات “خاصة” معظمها كان على أساس الحقائق التاريخية والدينية، أراد أحمدي نجاد اقتراح أفكار “غامضة” لتجاوز الخلافات الحادة في البرنامج النووي الإيراني. البيت الأبيض لم يأخذ اقتراح الرئيس الإيراني على محمل الجد.
-
-
ورغم أن الفترة التي كان فيها صوت المحافظين الجدد عالياً في واشنطن وله صدى كبير في الإدارة الأمريكية، عاد بوش الابن من جديد إلى الحرس القديم، إلى فريق والده. استدعي وزير الخارجية السابق جيمس بيكر لترتيب البيت الداخلي، بعد تراكم الأخطاء والثغرات السياسية، وسوء التسيير، وترؤس “مجموعة دراسة العراق”، كما تولى روبرت غيتس البنتاغون في ديسمبر 2006. وقد رحب بوش أنذاك بالتقرير بوصفه “بناء للغاية” غير أنه أعلن أنه ينتظر مراجعات منفصلة تقوم بها وزارتي الدفاع والخارجية قبل الشروع في تغيير النهج.
-
-
وليس سراً على أحد، أن وزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس، واجهت معركة حقيقية مع المحافظين الجدد في البيت الأبيض، للسماح لوليام بيرنز وكيل وزارة الخارجية الأمريكية من أجل التوجه إلى جنيف ومقابلة نظيره الإيراني منوشهر متكي بشكل غير مباشر.
-
-
وكان مستشار الأمن القومي السابق زبيغنو بريجنسكي، أعلن أن حزمة الحوافز المقدمة إلى إيران ينبغي أن تتضمن خطوات فورية وملموسة لمكافأة طهران في حالة اتخاذ القرار “الاستراتيجي” بالتخلي عن طموحاتها النووية وتجميد أنشطة تخصيب اليورانيوم. هذه المساعدة كما يقول بريجنسكي، هي من أجل تعزيز الصفقة مع المعتدلين المحافظين داخل النظام، مع الغرب، بدلاً من الوعود الواهية التي فشلت كلها لأنها بقيت في إطار المناقشة العقيمة التي لا تقدم ولا تأخر.
-
-
إن المواجهة النووية المحتملة هي، في جوهرها، مخاوف أمنية قائمة بين إيران والولايات المتحدة منذ أحداث الثورة الإسلامية عام 1979، حيث تحاول طهران السيطرة على مخاوفها المشروعة من الحرب غير المتكافئة في حالة اندلاعها مع واشنطن بمساعدة من ربيبتها إسرائيل، ولإزالة هذه المخاوف سعى النظام الإيراني إلى تحقيق “مطالبه” من خلال طاولة المفاوضات، وبمباشرة أو صفقة مقبولة مع المعتدلين المحافظين داخل الإدارة الأمريكية. فأي حوار جاد، خارج المعايير الرسمية ومع مجموعة الحوافز قبل الموعد النهائي للرد الإيراني، يمكن أن يؤدي إلى نتائج أفضل بكثير مما هو عليه الحال الآن.
-
-
إن إيران ـ في هذه الوهلة ـ ستعمل لكسب الوقت قبل أن تضطر إلى الخضوع إلى التهديدات الدولية بالعقوبات الاقتصادية، أو التهديدات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، وإعطاء إجابة ما منتظرة إلى المجتمع الدولي، ولكن يبدو أنها غير متأكدة ما الذي يمكن عمله بعد: هل انتظار ضربة عسكرية مدمرة أو امتلاك القوة النووية، وهو ما لم يتم التحقق منه بعد…
-
-
وفي هذا الإطار، وفي كتاب جديد بعنوان”إيران الخفية: التناقض الذاتي وقوة الجمهورية الإسلامية” الصادر عن المؤلف الأمريكي (راي تقية) وهو كبير الباحثين في مجلس العلاقات الخارجية والمتخصص في الشئون الإيرانية وقضايا الحركات الإسلامية والسياسات في الشرق الأوسط، شدد في إحدى فقراته على أن السبب الأساسي في الخلاف الإيراني ـ الأمريكي هو راجع إلى “سوء فهم متبادل بين الجانبين على مدى أكثر من ربع قرن، إذ أن الفشل في إدراك وفهم النظام الإيراني كان ولا يزال هو الطابع الغالب على الحكومات الأمريكية المتتالية بمختلف توجهاتها وليس حكراً فقط على حكومة الرئيس بوش ومن سيخلفه”. ويقول “منذ قيام الثورة الأصلية عام 1979 التي أقامت نظام الجمهورية الإسلامية وحتى المواجهة الأخيرة حول تطلعات إيران النووية، أخفقت الولايات المتحدة وبشكل متكرر في فهم طبقة رجال الدّين الحاكمة في إيران”.
-
-
في الأخير، ينتظر البعض ـ حسب التحليلات ـ صفقة “ما” وشيكة قبل نهاية العام الحالي، قد تكون الفرصة الأخيرة، حيث سيكون المعتدلين في واشنطن وطهران وفي وقت واحد أمام مسؤولياتهم التاريخية في فرض الأمن والسلم في العالم، أم فتح أبواب جهنم على مصراعيها أمام كل الاحتمالات الواردة…
-
youcef_chelli@yahoo.fr