الرأي

هل ينجح حداثيو الجزائر فيما فشل فيه أساتذتهم؟!

سلطان بركاني
  • 63
  • 0

من أكثر ما يميّز منهج “هواة الفرقعة” ممّن يعجبهم أن يوصفوا بـ”الباحثين” و”الحداثيين”، في نقدهم للتراث الإسلاميّ وعداوتهم لكلّ ما هو إسلاميّ؛ أنّهم لا يرجعون إلى مصادر الإسلام مباشرة، وإنّما يأخذ اللاحق منهم عن السّابق، ويحاكمون “التراث” إلى ما يقال عنه ويُنسب إليه، وليس على أساس ما حواه؛ فـ”محمد أركون” مثلا، ملهم حداثيي الجزائر، حينما يتحدّث في كتاباته عن “التراث” لا يوثّق من المصادر الإسلامية، إنّما يوثّق من المراجع الاستشراقية المعادية –في أغلبها- للإسلام!

وعلى نهج أركون، يسير صبية الحداثة في الجزائر؛ حيث تجد الواحد إذا أراد الحديث في مسألة تتعلّق بالتاريخ الإسلاميّ لا يرجع إلى أمّهات الكتب التي تنقل الروايات بأسانيدها ووفق ملابساتها، إنّما قصارى جهده أن يعمد إلى كتب الاستشراق التي تعتمد الإثارة وتتبنّى التشكيك ولغة “المؤامرة”، وتنطق غالبا من النتائج الجاهزة لتبحث لها عن دلائل في متروكات التاريخ وفي سوق الموضوعات والخيالات! وغالبا ما يرجع إلى ما كتبه من يوصفون بالمفكّرين، ممّن صنعت شهرتهم في العواصم الغربية!

هوس الحداثيين بالفرقعات، أعماهم ليس فقط عن اعتماد الأساليب العلمية في دراسة الروايات، ولكن أيضا عن التثبّت في النّقل؛ فتراهم كالذباب لا يقعون إلا على ركام الموضوعات والمكذوبات، وإن حدث ووجدوا واقعة ثابتة في حقّ أحد الصّحابة أو الأعلام، طاروا بها وعمّموها ونسبوها إلى الجيل الفريد جميعا.. كما أنّهم يتعمّدون التّلبيس في محاكمة الجيل الأوّل، بنسبة القول بعصمتهم إلى علماء أهل السنّة، ومن ثمّ يوردون أخطاء بعض الصّحابة ليتوصّلوا إلى نقض العصمة، ومن ثمّ التّشكيك في القرآن الذي جمعوه والسنة التي رووها. يقول أحدهم: “مشكلتنا مع التراث هي اعتقادنا بأنّ الذين كتبوه وصنعوه -وخاصة جيل الصحابة- هم ملائكة بأجنحة بيضاء ونوايا كلّها حسنة”!

ري أين وجد هذا “الباحث” من يقول إنّ الصحابة ملائكة لا يخطئون؟! معتقد أمّة الإسلام في الصّحابة أنّهم بشر يصيبون ويخطئون ويختلفون، لكنّهم ثقات عدول لا يكذبون في تبليغ القرآن والسنّة، ولا يُجمعون ولا يجتمعون على خطأ، وخلافنا مع أدعياء “البحث” إنّما هو فيما اجتمع عليه الصّحابة واستقرّ رأيهم عليه من حفظ القرآن المجموع بين الدفتين ومن أصول الدين الأساسية.

ومن شنشنات صبية الحداثة التي يتداولونها على صفحاتهم؛ محاولتهم إثبات فرية “الإسلام دين لا علاقة له بالسياسة ولا الحكم ولا بإقامة الدولة”، والترويج لمغالطة أنّ السياسة هي التي أفسدت الدين في مراحل التاريخ المختلفة! وهي الدّعوى التي يعتمدها الملاحدة والعلمانيون في سعيهم لإبعاد الإسلام عن الحياة، بزعم أنّ رسول الإسلام –عليه الصّلاة والسّلام- لم يُقم دولة أو أنّه سعى إلى ذلك ولم ينجح! والذين مِن بعده هم من وظّفوا الدّين في السياسة!

ولو أنّك سألت من يطلقون هذه الدّعاوى التي يكذّبها التاريخ عن مفهوم الدّولة في العرف السياسيّ، وعن ظهور هذا المصطلح، لربّما حاروا جوابا، ولو سألتهم عن السياسة التي يزعمون أنّها أفسدت الدّين، لوجدتَهم يستدلّون ببعض الأخطاء التي وقع فيها أفراد من هذه الأمّة من الأمراء والولاة وبعض العلماء، ولم تمثّل منهجا متّبعا، وربّما وجدتَهم يلوذون بالوقائع التي رويت من طرق لا تصحّ، أو بتلك التي تُروى في كتب الأدب وتُنسب إلى “كلّ الموسوعات التاريخية”!

لعلّه يحسن بنا أن نقول لصبية الحداثة في الجزائر، الذين أضاعوا دينهم، ويريدون للأمّة الجزائرية المسلمة أن تترك دينها وتتبعهم في حيرتهم وتصغي لشكوكهم، إنّ الإسلام بمصادره وأصوله الأساسية واضح وضوح الشّمس في رابعة النّهار، والجزائريين –مهما أبدى بعضهم ميلا إلى هذا الطّرف أو ذاك- يعرفون دينهم جيّدا وليسوا في شكّ منه، وإنّ أيّ دعوة “أركونية” جديدة تهدف إلى زعزعة عقيدة الجزائريين في مصادر دينهم، ستبوء بالفشل، كما فشلت من قبل دعوة مُلهمهم الذي مات وهو يحمل في قلبه حسرتان؛ حسرة بأنّ العرب لم يقرؤوا له ولم يهتمّوا بفكره بالشّكل الذي توقّعه! وأخرى بأنّ فرنسا التي كانت تؤزّه وتشجّعه، لم تحتف بأفكاره بالقدر الذي كان يأمله!

مقالات ذات صلة