هل ينفّذ ترامب وعيده؟
في كل مرة يتحدث فيها دونالد ترامب، يكون لدينا انطباع بأننا نسمع صوت رئيس لم يمنحه الله عقلا. ومع هذا نواصل الإنصات إليه، نظرا للمنصب الذي يشغله، لا أكثر ولا أقلّ. إنه أقوى رجل على هذا الكوكب.
كان للكشف عن مشروع ترامب المتعلق بغزة تأثير القنبلة على الأطراف المعنية.
ارتفعت أصوات كثيرة في مواجهة خطر طريقة التفكير هذه، المفتقرة إلى التماسك وعدم الفهم أو عدم الاهتمام بالتاريخ والدول والسكان الذين يشكلون منطقتنا.
ومما يزيد الأمر إثارة للصدمة في هذه “الواقعية الإستراتيجية” أن الضحايا الأوائل لعمليات إعادة الهيكلة هذه سيكونون دائما الأفراد الضعفاء، الذين يشكلون الأغلبية بطبيعة الحال. الأغلبية التي ستغرق تماما في هذه القضايا الجيو إستراتيجية.
هناك ما لا يحصى من المآسي الإنسانية الكامنة في هذا المشروع. إن “الحل” الترامبي هو في الحقيقة سياسة الفشل المتمثلة في التعالي على فكرة الحوار الجادّ والبنّاء مع الآخر من أجل تحقيق الصالح العامّ. ومن ثمة فشل السلام، لأن رسم خريطة جديدة ستسبقه بالضرورة الحروب والعنف ونزوح السكان والتطهير العرقي.
بالنسبة لترامب، العالم في حد ذاته غير موجود، إنه مجرد صالة قمار كبيرة. يتصرف ترامب كجنرال جاهل بعدوّه أو بتكوين القوات الموجودة، ومع ذلك يقرر بدء الأعمال العدائية بالعناد النموذجي لشخص متصلّب، أي من دون حساب أو تفكير مسبق.
لكن ينبغي تقرير حقيقة أن البعض سيرى في هذا التطرف وربما الجنون الواضح علامة عبقرية، والبعض الآخر علامة براغماتية، في حين أن ما يصدر عنه لا يعدو كونه مجرّد تصرفات غريبة، وانفعالات تهدف إلى لفت انتباه الجماهير، من دون أن تؤدي إلى أي تأثير ملموس، باستثناء احتلال الصفحة الأولى من الصحف.
ليست الرؤية الترامبية لمستقبل غزة إهانة لمعاناة الغزيين الذين شهدوا للتوّ نيران الجحيم فحسب، بل تعني أيضا تعزيز قناعة جزء كامل من المجتمع الإسرائيلي في رفضه التفكير في المستقبل من خلال منظور التعايش الضروري والحتمي مع الشعب الفلسطيني. وهنا تكمن خطورتها بالنسبة لي. إنها كوميديا خطيرة قادرة على إشعال الخيال وإضافة الفوضى إلى الفوضى.
مع كل تصريح يقوم به، يجري تذكيره بتعقيد الواقع. ولكنني لا أحسب أن سيل قراراته الحمقاء سيتوقف، وإن كانت ستظل حبرا على ورق في معظم الأوقات، فلتصريحاته بخصوص غزة تصريحاتٌ تشبهها صدرت عنه في الماضي بشأن كوريا الشمالية. ما أريد قوله هو أن ترامب سيطلق العنان لتبجُّحه وتصريحاته الخرقاء، وتهديداته، وأوامره، وهذيانه الكبير الذي لن يؤدّي إلى أي شيء ملحوظ سوى جلب الارتباك إلى وضع لا ينقصه الارتباك.
ينوي ترامب التخلص من الغزيين، مثلما يتخلص المرء من قطعة أثاث قديمة موجودة في المنزل منذ أجيال، من دون أي اعتبار لقيمتها العاطفية أو العائلية.
ليست الرؤية الترامبية لمستقبل غزة إهانة لمعاناة الغزيين الذين شهدوا للتوّ نيران الجحيم فحسب، بل تعني أيضا تعزيز قناعة جزء كامل من المجتمع الإسرائيلي في رفضه التفكير في المستقبل من خلال منظور التعايش الضروري والحتمي مع الشعب الفلسطيني. وهنا تكمن خطورتها بالنسبة لي. إنها كوميديا خطيرة قادرة على إشعال الخيال وإضافة الفوضى إلى الفوضى.
ومع هذا يمكنني القول بنفس مطمئنة: كان الأولى بمن هاجموا ترامب أن يسخروا منه ومن جدوى قراره.
لدى ترامب جنون المهرِّجين الذين يعتقدون أنهم أنبياء. إن تمركزهم حول الذات ونرجسيتهم تصل إلى درجة تجعلهم يعتقدون أنهم عباقرة ملهمون، وأن كلماتهم وحيٌ من الله.
ليس أمام الديمقراطيات سوى أن تجد في نفسها القوة اللازمة للرد على استفزازات الرئيس الأميركي، لأنها إذا اختارت المماطلة فإن الشعبوية ستجتاحها.
غالبا ما تسبق الكوميديا المأساة. يحدث هذا في المسرح كما في العلاقات الدبلوماسية. فهل لنا أن نتذكر هذا؟
إن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الملتهب دليلٌ على عجز الولايات المتحدة والجهات الدولية الفاعلة عن حلِّ مشاكل بهذا القدر من التعقيد الديني والسياسي والإنساني. علاوة على ذلك، لا يسعني إلا أن أعتقد أن هذا النوع من إعادة الهيكلة من شأنه أن يوقّع حكم الإعدام على التعدُّدية الثقافية والتعايش واحترام الآخر. سيكون هذا بيانا فظيعا للفشل فيما يتعلق بقدرة البشر على العيش معا.
وأخيرا، ألا ينبغي لموكب المعاناة المصاحب لتنفيذ هذا المشروع -الذي أشكِّك في حدوثه- أن يُقنع الجهات الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بإعادة النظر في استراتيجياتها؟