الرأي

هل يوقف الهدوء الصيني العاصفة الأمريكية؟

على خلاف الولايات المتحدة الأمريكية، تتبنى الصين سياسة عالمية قوامها الهدوء. لا حرب ولا تدخلات خشنة في أي منطقة من العالم ولا قواعد عسكرية منتشرة عبر القارات (قاعدة واحدة في جيبوتي)… ومع ذلك، باتت الصين اليوم هي أكبر نقطة جاذبة في العالم للبحث عن التقدم الاقتصادي أو الحصول على السلع والخدمات أو الاستفادة من التكنولوجية المتقدمة، وفي المدة الأخيرة، أصبحت أيضا نقطة جذب للتطلع نحو السلام العالمي ووضع حد لنيران الحروب إن كانت في أوكرانيا أو إيران أو الشرق الأوسط أو بقية أنحاء العالم، إذ قدّمت الصين أكثر من مبادرة في هذا الاتجاه.

واليوم 13 ماي، يتجه الرئيس الأمريكي بنفسه في زيارة رسمية للصين في محاولة للاستفادة من كافة هذه المزايا، يرافقه وفد كبير من رجال الأعمال وقادة كبرى الشركات بحثا عن الشراكة الاقتصادية وفرص التعاون التجاري، كما يرافقه وفد من كبار السياسيين لعلَّه يجد مع الرئيس الصيني شي جين بينغ بدائل لجعل العواصف العسكرية التي باتت تُهدّد الولايات المتحدة تهدأ قليلا.

منظوران للعلاقات الدولية يقدمان نفسيهما اليوم للعالم: يبدو واحدا وكأنه من بقايا استراتيجيات القرن العشرين يرتكز على منطق القوة العسكرية والتهديد بالعقوبات والحصار لفرض الذات وتأكيد مكونات القوة العظمى، وتمثله الولايات المتحدة. أما الثاني، فيبدو وكأنه يطرح بديل الرؤية المستقبلية للعلاقات الدولية في ظل تطورات القرن الحادي والعشرين المختلفة. أساس هذه الرؤية أن تعزيز قوة الدول العسكرية لحماية نفسها من العدوان لا يعني بالضرورة إقامة وزارة للحرب والسعي للسيطرة على أقاليم الآخرين والاعتداء على دولة أثناء المفاوضات معها أو اختطاف رئيسها من بيته أو التهديد بذلك أو معاقبتها اقتصاديا وسياسيا بغرض الفوز بنشوة استسلامها، كما أن تعزيز قوة الدول الاقتصادية لا يستلزم فرض رسوم مرتفعة على الشركاء لتحجيم قدراتهم الإنتاجية ومن ثَمّ، قدرتهم على المنافسة، بل يقوم على التطوير التكنولوجي والمستمر وتخفيض أسعار السلع والخدمات في نطاق حرية المنافسة لتكون البشرية هي المستفيد الأكبر وبخاصة الشعوب النامية محدودة الدخل.

وعندما سيتقابل الرئيسان الأمريكي والصيني غدا وجها لوجه سيرمزان إلى هاتين الرؤيتين المطروحتين على العالم، ومن شأن انتصار إحداهما أن تكون له تبعات على البشرية جمعاء.

ويبدو أن هناك توجها عالميا عاما يرفض منطق العاصفة الأمريكي بعد الذي حدث في إيران وفنزويلا وفلسطين، إذ لم يبق له من أنصار سوى ممثل واحد في الكيان الإسرائيلي يُدعي “نتن ياهو” مازال يعتقد أنه بإمكان إخضاع الآخرين بالقوة خاصة إذا كانوا من جيرانه الأقل تسليحا مثل اللبنانيين أو الفلسطينيين … الآن كافة القيادات في العالم حتى من كان منها لا يتفق مع السياسة الإيرانية أو أسلوب المقاومة بات يعترف أن الحرب على إيران أو على غزة وعلى لبنان هي حرب غير مشروعة ولم تحظ بتأييد الأمم المتحدة أي أنها حرب خارج القانون. لذلك لن يجد الرئيس الأمريكي اليوم ما يحاجج به أمام الصينيين الأكثر عقلانية وهدوءا، وليس أمامه سوى بديلين: أن يقبل بالانخراط في مسار العلاقات الدولية المتماشي مع منطق القرن الحادي والعشرين الذي يفصل امتلاك القوة عن التهديد بها والاعتداء من خلالها عبر الحرب، كما يفصل بين امتلاك القدرة الاقتصادية عن التهديد بها والاعتداء من خلالها عبر العقوبات الاقتصادية أو يستمر في سياسته العاصفة بغير اتجاه…

إن أمام الرئيس ترامب إذا أراد للوفد الاقتصادي والمالي والتجاري ألا يعود خاوي الوفاض من الصين الامتثال لمنطق العلاقات الدولية الذي باتت غالبية الأمم تؤمن به اليوم. أما إذا أراد الاستمرار ضمن منطقه الواهم أنه القوة الكبرى الوحيدة في العالم كما كان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فلن يدفع بنفسه سوى إلى مزيد من التورط في صراعات لا نهاية لها مثلما تورط حليفه نتنياهو في ثمانية حروب لم يستطع الخروج من أيّ منها لحد الآن ولن يخرج. كذلك الولايات المتحدة إن لم تغير مسار منطق العاصفة، فإنها ستستمر في إيذاء الآخرين حقيقة لما تملك من قدرات مالية وعسكرية واقتصادية، ولكنها أبدا لن تنتصر عليهم ولن تفز من عندهم بوثيقة استسلام. فكما لن ينتصر “نتن ياهو” على “حزب الله” أو على “حماس” ولن يفز بوثيقة استسلام، ذات الشيء بالنسبة للرئيس الأمريكي ترامب مع إيران أو مع غيرها.. شيء واحد ينقذهما معا: الاستماع للحكمة الصينية والاستفادة من نهجها الحالي في العلاقات الدولية، ذلك أنه نهج القرن الحادي والعشرين ونهج المستقبل: صداقة دائمة وشراكة مستمرة.

مقالات ذات صلة