هل يُعقل شراء الأغنياء والفقراء السكر والزيت والحليب بنفس السعر؟
عندما يكون الظرف الاقتصادي مريحا، تتعدد الخيارات أمام الحكومة في رسم سياساتها في بعدها الاجتماعي. أما في حالة العكس، كما هو حاصل في الوقت الراهن، فالخيارات تقل إلى درجة الانعدام. فهل الدولة مجبرة على مواصلة سياسة الدعم في ظل هذه الظروف؟ وهل الإمكانات المالية حاضرة لضخ المزيد من الأموال بعنوان التحويلات الاجتماعية؟ وما هي الأخطار التي قد تنجر عن هذه السياسة في حالة الاستمرار فيها؟ هذه الأسئلة وأخرى سيجيب عنها “الملف السياسي” لهذا الخميس.
قانون المالية 2016 يؤكد تواصل سياسة الدعم
الدولة الاجتماعية.. مبدأ على المحك
مع تراجع أسعار النفط إلى مستويات متدنية ومخيفة، تفجّرت العديد من الأسئلة التي تنطوي على الكثير من المصداقية والوجاهة، محورها مدى قدرة الدولة على الاستمرار في نهجها المتعلق بالبعد الاجتماعي، الذي يكلف الخزينة العمومية أزيد من 184 ألف مليار سنتيم في السنة المقبلة.
ومعلوم أن أول وثيقة مؤسسة للدولة الجزائرية (بيان أول نوفمبر 1954)، كانت قد تحدثت عن إقامة “دولة ديمقراطية اجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية“.. فالبعد الاجتماعي إذن، حاضر ومبدئي في سياسة الدولة، فهل حان الوقت لمراجعته؟
هذا التوجه تجلّى من خلال السياسة التي انتهجها مختلف الرؤساء الذين تعاقبوا على قيادة البلاد، منذ الرئيس الراحل أحمد بن بلة، إلى الرئيس بوتفليقة، مرورا بالراحل هواري بومدين، والراحل الشاذلي بن جديد، وبدرجة أقل الذين عايشوا أزمة العشرية الحمراء في صورة الرئيس السابق اليامين زروال.
وهكذا، ظل البعد الاجتماعي حاضرا، لكنه اختلف من مرحلة إلى أخرى، حسب طبيعة الظرف الاقتصادي. فإذا كانت فترة حكم الراحل هواري بومدين، أكثر استقرارا من الناحية الاجتماعية، بسبب صرامة الرجل في التسيير من جهة، واستقرار مداخيل البلاد من المحروقات من جهة أخرى، فقد ساد فترة حكم الراحل الشاذلي بن جديد، بعض التذبذب، خاصة في النصف الثاني من فترة حكمه (1985/ 1990)، بسبب تراجع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي كان من بين الأسباب التي أدت إلى تفجر أحداث أكتوبر 1988.
ويجمع المتابعون على أن عشرية التسعينيات كانت الأصعب في تاريخ الجزائريين، ليس فقط من الناحية الأمنية، بل من الناحية الاجتماعية أيضا، لكونها شهدت تسريح مئات الآلاف من العمال بـ “أوامر” صندوق النقد الدولي، الذي لم يكن يهمه سوى تحصيل القروض التي منحها للحكومة آنذاك، في إطار اتفاق إعادة جدولة الديون الجزائرية، بغض النظر عن التداعيات الاجتماعية. وهكذا عاشت البلاد واحدة من أسوإ فترات استقلالها، تجرع خلالها الجزائريون مآسي الجوع والفقر، إلى درجة حرمانهم حتى من أكل “الياوورت“، كما قال ذات مرة رئيس الحكومة آنذاك، أحمد أويحيى.
ومع وصول الرئيس بوتفليقة إلى سدة الحكم في عام 1999، عادت سياسة الدعم بقوة، مدفوعة بتعافي أسعار النفط في الأسواق العالمية. وبعدما كانت مبررة في البداية بالنظر إلى التراجع النسبي عن هذا الدور في عشرية التسعينيات، تحولت إلى ضرورة سياسية مع مرور الوقت، إلى درجة أن الكثير من السياسيين، اعتبروا المسألة “شراء للسلم الاجتماعي“.
وباتت هذه القراءة أكثر وجاهة ومصداقية منذ عام 2011، في أعقاب إقدام الحكومة على تسقيف أسعار الزيت والسكر، إثر الاحتجاجات التي كادت تعم البلاد في ظل تنامي عنفوان ما عرف بـ “الربيع العربي“، الذي اجتاح الجارة الشرقية، تونس، قبل أن يلتف على مصر وليبيا وسوريا واليمن.
وإلى غاية اليوم، لا يوجد ما يؤشر على وجود نية لدى الحكومة في التراجع عن سياسة “السوسيال“. ويمكن الوقوف على هذا التوجه من خلال مشروع قانون المالية للسنة المقبلة، الذي واصل، بل رفع من قيمة التحويلات الاجتماعية، بالرغم من الصعوبات المالية الجمة التي تعاني منها ميزانية الدولة.
ساهمت في تحقيق التوازن والقضاء على الطبقية
الركائز الأربع التي يقوم عليها “السوسيال” في الجزائر
ترتكز سياسة “السوسيال” في الجزائر على أربع ركائز أساسية، ساهمت في توسيع رقعة الطبقة المتوسطة والتخفيف من الفقر والقضاء ظاهريا على الطبقية. وتتمثل هذه الركائز في مجانية العلاج والتعليم، دعم المواد الغذائية واسعة الاستهلاك، التحويلات الاجتماعية، وتدعيم المشاريع السكنية والاقتصادية.
وبالعودة إلى الركيزة الأولى لسياسة “السوسيال” في الجزائر، التي تقوم على مجانية التعليم والصحة، فإنها من السياسات التي قامت عليها الدولة الجزائرية منذ الاستقلال. وهي سياسة تقوم على ضمان مجانية التعليم والصحة لجميع الجزائريين من دون استثناء، حيث سنّت الدولة العديد من القوانين التي تكرس تطبيق هذه السياسة على غرار إجبارية التعليم، وتوسيع بناء العيادات الجوارية في كل دائرة من القطر الوطني، بالإضافة إلى عدم فتح الصحة الاستشفائية للخواص إلا بضمان التسيير العمومي للمستشفيات.
وتعتمد الركيزة الثانية على دعم المواد واسعة الاستهلاك، التي شرعت الجزائر في تطبيقها تدريجيا بعد الاستقلال لتتوسع قائمة المواد المدعمة بعد ثورة الزيت والسكر، التي شهدتها البلاد في بداية عام 2011، لتشمل المواد المدعمة كلا من الخبز والحليب والدقيق والسكر والزيت والوقود والماء والكهرباء… ومكنت هذه السياسة من تدعيم القدرة الشرائية للجزائريين، ما ساعد على الحفاظ على التوازن الطبقي في المجتمع، واتساع رقعة العائلات متوسطة الدخل، خاصة في ظل الزيادات في الأجور التي شملت عدة قطاعات.
وبالنسبة إلى الركيزة الثالثة، التي تقوم على التحويلات الاجتماعية، التي يستفيد منها 90 بالمائة من الجزائريين، فإنها تقوم على دعم الطبقة الهشة بتخصيص منح للأطفال المتمدرسين والنساء الماكثات في البيت، وذوي الاحتياجات الخاصة والنساء الأرامل.. بالإضافة إلى استحداث بطاقة الشفاء التي مكنت الجزائريين من الاقتناء المجاني للأدوية في مقدمتهم المصابون بالأمراض المزمنة، الذين يستفيدون من مجانية الدواء بنسبة 100 بالمائة.
وآخر ركيزة لسياسة “السوسيال” في الجزائر هي دعم المشاريع السكنية والاقتصادية، حيث استحوذت السكنات الاجتماعية “المجانية” على حصة الأسد من المشاريع السكنية، بالإضافة إلى تدعيم جميع الصيغ السكنية على غرار السكنات الريفية وسكنات عدل والسكنات التساهمية والترقوية…
وبالنسبة إلى دعم المشاريع الاقتصادية، فإنها تقوم على آليات لبعث المشاريع الشبابية المصغرة والمتوسطة على غرار مشاريع “وكالة دعم تشغيل الشباب” و“أونجام” و“كناك” والقرض المصغر وغيرها من القروض، التي ساهمت في خلق الكثير من مناصب الشغل الموجهة إلى مختلف الشرائح. كما بعثت الجزائر سياسة التجديد الريفي التي ترتكز على دعم سكان الأرياف لبعث نشاطهم الفلاحي وهذا ما ساهم في عودة الحياة إلى الكثير من القرى والمداشر.
وبالرغم من استهلاك هذه السياسة لحصة الأسد من ميزانية الدولة، غير أنها بقيت خيارا اجتماعيا لا رجعة فيه في زمن البحبوحة وقبلها في السنوات الأمنية الصعبة، غير أن سياسة التقشف التي انتهجتها الحكومة مؤخرا دعت المسؤولين إلى مراجعة هذه السياسة بالرغم من تأكيداتهم المتكررة استحالة التخلي عنها نهائيا.
رئيس الحكومة الأسبق مقداد سيفي:
“يجب إلغاء دعم المواد المدعمة ورفع أجور الفئات الهشة“

اقترح رئيس الحكومة الأسبق، مقداد سيفي، رفع الدعم عن المواد المدعمة والخدمات، وصب هذه الأموال في أجور الفئات المعوزة والبسيطة التي لا يمكنها دفع الفارق في هذه الأسعار مباشرة، معتبرا أنه من غير المعقول أن يشتري الغني السكر والزيت والحليب أو يدفع أسعار الكهرباء والغاز بالسعر ذاته المدعم الذي يقتني به المواطن البسيط المعني بالدعم حاجياته.
وذكر رئيس الحكومة الأسبق أنه “من غير المعقول أن تفكر الدولة في إلغاء أموال التحويلات الاجتماعية، لأنه من غير المنطقي أن يدفع المواطن البسيط ثمن التسيير غير الرشيد للنفقات، كما أن الدولة لا يمكنها أن تغامر بالمساس بما يضمن استقرارها“.
وأضاف: “حقيقة، من الضروري اعتماد الحكامة في توزيع أموال التحويلات الاجتماعية، واتخاذ بعض الإجراءات التي يعتقد أنها ضرورية“. ومضى يقول: “عندما كنت رئيسا للحكومة وواجهنا أزمة اقتصادية كنت صرحت بضرورة اعتماد الحكامة الجادة لأنه لا مستقبل للبترول، ولكن بعد 20 سنة لا يوجد شيء مجسد بل بالعكس عدنا إلى الوراء في المجال الاقتصادي“.
وذكر أن الحكومة آنذاك اختارت دعم المواطن مباشرة وبيع المواد الغذائية بالسعر الحقيقي لها، لأنه وبنظره لا يمكن دعم السكر الموجه إلى صناعة “الكوكا كولا” والحلويات، بل يجب دعم الفقراء مباشرة برفع رواتبهم.
واعتبر سيفي أن قول السلطات بضرورة ترشيد النفقات هو اعتراف بالتبذير وسوء التسيير في وقت سابق، وهو حقيقة لوحظت في كل الميادين على حد تعبيره، مشيرا إلى أنه حتى بالنسبة إلى المجال الاجتماعي يجب التقليص من بعض الخدمات، مقترحا كسبيل للحد من آثار الأزمة، رفع الدعم عن المواد المدعمة ورفع أجور الفئات الهشة نظير ذلك، بالإضافة إلى تشجيع الاستثمارات المنتجة ووضع حد للرشوة المستفحلة التي تنهب الملايير من الأموال.
ويعتقد رئيس الحكومة في عهد الرئيس السابق اليامين زروال، أن الجزائر لديها المال حاليا للتسيير بين 3 إلى 5 سنوات، لكن لا يمكنها الاعتماد فقط على هذه الأموال، بل يجب التفكير في مستقبل الاقتصاد، والخروج من الاعتماد على البترول فقط، فقال: “الاقتصاد الجزائري هو سوق وليس اقتصادا، وأعتقد أنه يجب القول إننا في سوق من دون اقتصاد وليس اقتصاد السوق“، منتقدا تجميد نشاط مجلس المنافسة وعدم العمل به، ما أتاح المجال للفوضى و“البازار“.
وأبرز المتحدث أن اعتراف الحكومة بأنه من الضروري اعتماد الحكامة في التسيير هو جزء من الحلول، “لكن من الضروري المرور إلى التطبيق لا اعتماد سياسة التصريح غير المتبع بالفعل.. لأن المواطن الذي هو جزء من الحل لم يعد يثق في التصريحات ولا في المسؤولين ويعتبر حتى المسؤولين النزهاء “سراقين“، وله أسبابه“، مشددا على أن إقناع الشعب يكون بمصداقية التصريحات والمواقف.
خبير صندوق النقد الدولي السابق محمد حميدوش
الحل في إنشاء بطاقية وطنية للمعوزين
شكك الخبير الاقتصادي محمد حميدوش، في سياسة دعم الحكومة للمواد الأساسية وكذا للتحويلات الاجتماعية الموجه للأسر المعوزة، في ظل غياب أرقام رسمية تبرز حجم وقيمة الأموال التي ترصدها الخزينة العمومية بهذا العنوان.
قال حميدوش“رغم مطالب رفع سياسة الدعم في ظل الوضع المالي الحرج الذي تمر به البلاد، إلا أنه سيكون من الصعب على الحكومة التجاوب مع هذه المطالب في ظل الظروف الاجتماعية والسياسة الراهنة“.
انتقد المتحدث غياب آليات واضحة لتسيير سياسة الدعم، وقدم أمثلة على ذلك متسائلا: “لا نعلم كم يستفيد المواطن في المتر المكعب للماء في 1541 بلدية عبر الوطن، وكم تدعم الدولة الكهرباء في الكيلوواط الواحد، وعلى أي أساس يستفيد الجامعي من مجانية التعليم وهو يدفع وصل قيمته 20 ألف، في حين أنه يملك هاتفا من علامة فاخرة“،
وبرأي المستشار السابق لدى صندوق النقد الدولي فإنه لم يبق أمام الجزائريين غير التشمير على سواعدهم لصناعة الثروة، وعدم انتظار ما يذره باطن الصحراء من نفط، وهي الوسيلة الوحيدة التي لا تزال بيد الجزائريين لتجاوز الوضع الصعب الذي تمر به البلاد، ونصح الخبير الحكومة بالعمل وفق نظام يساعدها على التخلي عن سياسة الدعم تدريجيا ومصارحة الجزائريين بالأرقام والأدلة، كما قال.
اعتبر محمد حميدوش، أنه من غير المعقول أن يذهب المواطن للعلاج في المستشفى مجانا، في حين أنه منخرط في صناديق الضمان الاجتماعي على غرار“كاسنوس” و“كناس“، حيث من المفروض على المستشفيات تقديم وصل حقوق الكشف، يتولى الصندوق تسديدها لخزينة المستشفى لاحقا وفق اتفاقيات، وبهذا تساهم ميزانية الضمان الاجتماعي في رفع أموال الخزينة العمومية“.
اقترح المتحدث آليتين للخروج من سياسة الدعم، الأولى عبر إنشاء صناديق العلاوات الموجه للعائلات والأسر في كل ولايات الوطن، كعلاوات الخبز والحليب ومنحة الدخول المدرسي، تتولى تقديمها البلديات من خلال الآليات الموجودة لديها، باعتبارها تتوفر على إحصائيات دقيقة عن عدد المحتاجين، وعلى أساسها يوجه الدعم لهذه العائلات بشكل خاص وليس بشكل عام.
كما تحدث الخبير الاقتصادي عن آلية أخرى للدعم توجه للمتعاملين الاقتصاديين، تحدد على أساس القيمة المضافة التي يقدمها هؤلاء الصناعيين للخزينة العمومية، وذلك وفق صندوق المقاسات المعمول به في عدة دول على غرار المغرب وتونس، على سبيل المثال، واستعبد الخبير الاقتصادي لجوء الحكومة إلى الاستدانة في الخمس سنوات القادمة بالنظر إلى أن عقلية الجيل القادم ستتكيف مع انخفاض سعر البترول الذي لن يكون عنصرا أساسيا للدخل، واعتبر المتحدث أن من بين الحلول التي يجب تبنيها استرجاع قيمة العمل والإنتاج، لأن الجزائر تخسر الملايير على عدم الفعل أي “الكلام” أكثر من الأفعال، وشددّ المتحدث على ضرورة فتح السوق أمام المستثمرين لرفع رقم الأعمال من الصادرات والواردات من 100 مليار دولار إلى 500 مليار دولار.