هموم “المتعودة” من الملوك
“المتعودة” من زعماء العرب على الموقف الأمريكي الداعم لهم في السراء وحين البأس، لا يعلمون اليوم كيف يواجهون تبعات خياراتهم وسياساتهم الرعناء، بعد أن قرر “الأخ الكبير” الانسحاب الآمن من رمال العالم العربي المتحركة، وبناء توافقات جديدة مع من يعتقد أنه الأقوى حتى وإن كان لا يرى فيه الحليف الأصلح.
ومن ذلك أن الهذيان الذي سقط فيه جارنا صاحب الجلالة، وهو يصب جام غضبه على الجزائر، في خطاب منفلت العقال في السادس من هذا الشهر، لا يختلف كثيرا عن الخطاب المتخبط لنظرائه من سلاطين المشرق، وهم يرون زعيمهم المفدى، الفتى أوباما يفرش النمارق الحمر لملالي إيران، ويكاد يؤذن في البيت العربي المتهالك: أن من دخل بيت آل البيت الصفوي فهو آمن.
فجارنا قد اعتاد كما اعتاد والده على دعم غربي لا يساوم، قد أوكل بالجملة إلى فرنسا، التي قادت بالوكالة عن المغرب جميع معاركه الدبلوماسية حول ملف الصحراء في المحافل الدولية، ولأنه لم يقرأ المتغيرات على الأرض، فقد صدم منذ أفريل الماضي بما حصل من تطور في الموقف الأمريكي أحبط عقدا من الزمن من الدبلوماسية المغربية والفرنسية في ملف الصحراء.
مخاوف جلالته من حصول تحول في الموقف الغربي المشدود دوما إلى ما يقوله البيت الأبيض، كما حصل في إدارة الملف السوري، هي مخاوف حقيقية لا يصعب علينا فهمها، خاصة وأن الحليف الأول فرنسا قد دخل الصف وهو صاغر، بعد أن كان قد أزبد وأرعد، وتوعد بالحرب التي لا تبقي ولا تذر على سوريا وقوى الممانعة في الشرق، وليس بوسع هولاند الضعيف المستضعف حتى بين أنصاره من الاشتراكيين أن يلتفت اليوم إلى معاناة صديقه الملك.
ثم إن الملك يكون قد اطلع على التسريبات الأخيرة لموقع ويكيليكس حول العلاقات الجزائرية الفرنسية، والجزائرية المغربية، التي تكون قد أدخلته حالة من اليأس والقنوط لما نقله الموقع عن بداية تشكل حوار استراتيجي بين الجزائر والولايات المتحدة، قاده الرئيس بوتفليقة بقدر عال من الذكاء، حين أفصح للأمريكان استحالة قبول الجزائر بأي دور لفرنسا في الملف الصحراوي، أو في الشأن المغاربي، لأن فرنسا لم تتحرر بعد من عقدة استقلال الجزائر.
ولأن الهموم تأتي تباعا، فقد استشعر ملك المغرب، أن الجزائر التي نجت من فعاليات الربيع العربي، وخرجت من أتونه أقوى مما كانت عليه، لا يمكن لأي طرف أن يتجاهلها مستقبلا في أي ترتيب للأوضاع الأمنية بمنطقة شمال إفريقية والساحل، مع ما أظهرته من وفاء بتعهداتها الدولية، وصبرها على ما ارتكب من حماقات في ليبيا ثم في مالي، ومن حزم حين أراد بعضهم اختبارها في واقعة تيڤنتورين.
لأجل ذلك ليس من الحكمة أن تدخل الحكومة الجزائرية والشعب الجزائري في مزايدات حمقاء مع قادة المغرب، بل الاجتهاد لمنحهم الوقت الكافي لهضم الواقع الدولي الجديد، الذي سوف يفرض لا محالة على الأشقاء في المغرب العودة إلى سياسة حسن جوار متوازنة هي الحد الأدنى المطلوب بين جارين شقيقين.