الرأي

هنا امتزجت دماءٌ.. وتـوحَّـد المصير

حبيب حسن اللولب
  • 707
  • 0
ح.م

مثلت جريمة العدوان الفرنسي على ساقية سيدي يوسف يوم 8 فيفري 1958، محطة هامة في التاريخ المغاربي، وامتزجت فيها الدماء التونسية الجزائرية وعلى أسوارها وأبوابها، وانكسرت الغطرسة والهيمنة والتنطع الفرنسي، وعجلت في حسم المعركة باسترجاع الاستقلال الجزائري وتثبيت الاستقلال التونسي والمغربي، ووحدت المواقف التونسية والمغربية، تجاه الثورة الجزائرية، التي وجدت كل الدعم والمساندة والتأييد من قبل المجتمع المدني والحكومة التونسية، وردّت عليها القوات العسكرية الفرنسية المرابطة بالجزائر وتونس، بأساليب همجية مختلفة، تمثلت في المضايقات والتوغّلات في التراب التونسي، والاعتداءات على المدنيّين والاعتقالات والإيقافات والاختطافات والإعدامات، وإعداد المشاريع لاحتلال تونس، واتباع سياسة البطش والأرض المحروقة فوق تراب المناطق الحدودية التونسية وسكانها الآمنين، وترهيب وتخويف السكّان وبث الرعب في نفوسهم لإثنائهم عن تقديم المؤازرة والمساعدات والدعم والمساندة للمجاهدين الجزائريّين، ومن هذه الاعتداءات العدوان على قرية ساقية سيدي يوسف 8 فيفري 1958. فما هي أسبابها؟ ومانتائجها وتداعياتها على المنطقة المغاربية؟

من هنا كانت تمر الأسلحة

لعبت المناطق الحدودية التونسية الجزائرية، دورا بارزا وهاما في الثورة الجزائرية، تمثل في تهريب الأسلحة واحتضان القواعد الخلفية والمعسكرات، واندلعت عدة معارك بين الجيش الفرنسي وجيش التحرير الجزائري في الأراضي التونسية، وأبرزها معركة “جبل الكوشة (الكاف)” يوم 11جانفي، 1958 وتكبّدت فيها القوات الفرنسية خسائر فادحة في العتاد والأرواح، وتمثلت في قتل خمسة عشر جنديا فرنسيا وأسر أربعة، ولهذا قرّرت الحكومة الفرنسية الانتقام والثأر من هذه المناطق، التي ساندت ودعّمت وآزرت الثوّار الجزائريّين، واختارت يوم السبت السوق الأسبوعي بقرية ساقية سيدي يوسف، وقدوم الفلاحين لبيع محاصيلهم وشراء البضائع، وعرض منتجاتهم بساحة السوق، أمام دار مندوبية منظمة الصليب الأحمر الدولي.

وتنوعت الاعتداءات وتكررت على المناطق الحدودية التونسية، وقامت القوات الفرنسية بانتهاك السيادة التونسية للمرة السابعة والعشرين، أولها يوم 1 جويلية 1956 وآخرها الغارة الجويّة على قرية ساقية سيدي يوسف يوم 8 فيفري 1958، وقد أسفرت كل هذه الاعتداءات عن استشهاد أكثر من مائة مدني منهم خمس نساء، وخلفت مئات من الشهداء والجرحى التونسيّين والجزائريّين على حد السواء، وكلما شنّ المجاهدون الجزائريّون هجومات على القوات الفرنسية بالتراب الجزائري انطلاقا من الأراضي التونسية إلا وردت الفعل وصبّت نار غضبها على الأهالي والجيش التونسي.

 واستدعت مندوبية الصليب الأحمر الدولي اللاجئين الجزائريّين صحبة أطفالهم، لتوزيع الإعانات والإسعافات، ونقلت المعونة والمساعدات بثلاث شاحنات، واحدة بقيت في الكاف، واثنتان قدمتا إلى ساقية سيدي يوسف، وربضت أمام المندوبية، وفجأة حلّقت الطائرات الحربية الفرنسية في الأجواء التونسية، وقصفت مقرّ مندوبية الصليب الأحمر الدولي، فاستولى الهلع في أوساط المواطنين بساحة السوق، الذين قدّر عددهم بعشرة آلاف نسمة – ولاذوا بالفرار بحثا عن مخبإ للاحتماء به، تاركين وراءهم أمتعتهم، وكانت الطائرات تتعاقب على قصف القرية، سربا بعد سرب، ليبلغ عددها مجتمعة في الجو ست عشرة قاذفة وأربع مطاردات، استهدفت الهاربين العزّل، بتحليقها من علوّ منخفض من الأرض كي تصيب “أهدافها”.

 وامتدّت عمليات المطاردة، على بعد كيلومترات من القرية في مختلف الاتجاهات، ودامت هذه الغارات المتكرّرة، تارة على الساقية، وتارة أخرى على قرية منجم الساقية ساعة زمنية، كاملة من الحادية عشرة صباحا إلى منتصف النهار.

آثار الجريمة

 كانت نتائج هذا العمل الإجرامي على المستوى البشري، سقوط ثمانية وستين شهيدا، من بينهم تسع نساء، واثنا عشر طفلا، والبقية من الرجال، وعثرت على سبع وخمسين جثة هامدة، وعشرة جرحى استشهدوا، عند نقلهم إلى المستشفى ومن بينهم أحد أعوان الجمارك التونسية.

أمّا الجرحى، فقد قدّر عددهم بسبعة وثمانين جريحا، من بينهم عدد كبير من النساء والأطفال وجنديان وعونان من الحرس الوطني، والخسائر المادية تمثلت في تحطيم خمس سيارات عسكرية، وخمس سيارات مدنية، من بينها سيارة الصليب الأحمر الدولي، وسيارة الهلال الأحمر التونسي، وتهديم مقرّ المندوبية وثلاث وأربعين مسكنا للقرية، وأربع وثمانين متجرا، ومركز الجمارك وإدارة البريد والمدرسة الابتدائية ومركزين آخرين للحرس الوطني.

 وأما في قرية منجم الساقية، فهدم مركز الحرس الوطني، وإدارة الغابات، وإدارة المنجم وستة وتسعون مسكنا، وألحقت أضرار بتسعة مساكن، وتحطمت سيارتان واحدة من نوع جيب والثانية تابعة للحرس الوطني وتحولت مساكنها ومبانيها إلى ركام من الحجارة والتراب، واستعملت الأسلحة المحظورة دوليا، كالقنابل المحرقة والقنابل المدمّرة والقنابل اليدوية، ونيران الرشاشات ضد المدنيّين… ما أدّى إلى إضرام النار في عدة مساكن ومتاجر وتحوّلت ساحة السوق إلى “بحيرة” من الزيت الممزوج بالدماء، وامتزج القمح والشعير بالحصباء واختلطت الخضر والغلال بالتراب، كما تبعثرت الملابس وخيام اللاجئين في كل حدب وصوب، وقررت الحكومة التونسية منع الجولان (التجول)، من الساعة الخامسة مساء إلى السابعة صباحا، واعتبرت هذا القصف جريمة إنسانية في حق المدنيين العزل، بسب استعمال أسلحة محرمة دوليا.

الحكومة التونسية تتحرك

عقدت الحكومة التونسية على إثر الاعتداء على ساقية سيدي يوسف مجلسا وزاريا، يوم 8 فيفري 1958 استغرق ساعة كاملة قرّرت على إثره الإجراءات التالية:

1 دعوة السفير التونسي بباريس للالتحاق بتونس للتشاور.

2 إحاطة سفير تونس بالأمم المتحدة علما بالقيام بالإجراءات اللازمة.

3 منع الوحدات الفرنسية من مغادرة ثكناتها، دون ترخيص خاص، حفظا للنظام، وتفاديا لوقوع ما لا تحمد عقباه.

4 التأكيد على إجلاء الجيش الفرنسي من كامل التراب التونسي، بما في ذلك قاعدة بنزرت التي أصبحت “أم القضايا” ويجب فضها في أقرب الآجال.

 وفي هذا الإطار أيضا، أصدرت كتابة الدولة للشؤون الخارجية التونسية، البيان التالي: “إزاء تكرار الغارات العدوانية، التي يقترفها الجيش الفرنسي ضدّ الجمهورية التونسية، وخاصّة الغارة الجوية المسلطة على ساقية سيدي يوسف، قرّرت الحكومة التونسية أن تعرض على مجلس الأمن تلك الحالة التي أصبحت تهدّد السلم والأمن العالميين، وقد أعطيت تعليمات إلى مندوبها الدائم بمجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة ليشرع في اتخاذ الإجراءات الواجبة “.

 الفاجعة تهز جبهة التحرير الوطني

 تفاعلت جبهة التحرير الوطني، إثر العدوان على ساقية سيدي يوسف، وأصدرت بيانا أدانت فيه هذه الاعتداءات الفرنسية، جاء فيه: “إنّ جبهة التحرير تسجّل السخط العالمي الذي أعقب العدوان الإجرامي على الساقية وتلاحظ أنّ الرأي العام الأممي متأثر بهذا الحادث، قد اكتشف أخيرا طبيعة إنكار نتائجه الفاجعة وأنّه يمثل تهديدا مستمرا للسلام العالمي وأنّ جبهة التحرير الوطني تريد أن تذكّر العالم بأن الاستعمار الفرنسي عندما قام بهذا العدوان الوحشي ضدّ الجمهورية التونسية، قد ظنّ أنه استطاع معاقبة الرئيس بورقيبة الذي بدأ يعرض وساطته من أجل إيقاف المأساة الجزائرية، وبلغت به الجرأة إلى أن يحصل على موافقة هيئة الأمم المتحدة على وساطته مع وساطة جلالة الملك محمّد الخامس. إنّ هذا الاستعمار الذي رفض الحلّ الديمقراطي العادل الذي أوصت به هيئة الأمم المتحدة فرنسا منذ ثلاث سنوات قد اختار الآن الحلّ: وهو حلّ القوة… وهكذا يقوم الدليل على أن حكومة فرنسا، منذ 6 فيفري 1956 بالجزائر، ليست قادرة على التفكير في سياسة جديدة. لقد أقامت الدليل مرّة أخرى على أن مصير وطننا يستلزم وجود كيان وطني حرّ مستقل ذي سيادة. وأخيرا هل يقبل الرأي العام العالمي بأن يتستّر على جرائم الحرب، لا لسبب إلا لأنّها موجهة ضدّ شعب أعزل وهل يقبل العرب بأن يشارك في هذه الجرائم بسكوتهم عنها، هل تقبل هيئة الأمم المتحدة السكوت… وأمريكا وإنجلترا اللتان تتحمّلان مسؤوليات كبيرة في نظر الشعوب الإفريقية، هل ستحاولان خنق الإجراءات الأممية التي ستقوم بها تونس ضدّ المعتدي وحلف مستر فرانكلان و’روزفيلت’ هل سيقبل بانتشار عوامل حرب عالمية…”.

 وتقابل أحمد توفيق مدني، عضو وفد جبهة التحرير الوطني الجزائرية، مع الصادق المقدم، كاتب الدولة لخارجية التونسية، وأعرب له عن تضامن الجزائر مع شقيقتها تونس، وقد صرّح له الصادق المقدم بما يلي: “… إنّ أحداث الساقية لا تؤثر إطلاقا في اتفاقنا مع الجزائر، وإنّ الدم التونسي والجزائري، اللّذين قد سالا معا واختلطا في ميدان الشرف لا يمكن أن ينفصلا إطلاقا… “.

 وعلّقت جريدة “المجاهد” على العدوان الفرنسي على ساقية سيدي يوسف، وفنّدت الحجج التي برّرت بها فرنسا عدوانها، بأنها تستهدف تجمعات الثوّار الجزائريّين الذين اتخذوا من الساقية مركزا لهم وقالت: “إنّ قرية الساقية الشهيدة فضحت الاستعمار العالمي، وحسمت وحدتنا، وفي طالبت الرأي العام العالمي والأمم المتحدة باتخاذ موقف حاسم من هذا الحادث وأن يتحقق من صحة ما زعمته البلاغات الفرنسية، من أن المنجم الذي يقع جنوب القرية يتخذ مركزا للثوار فقد أثبت هذا الهجوم أن المكان لا يوجد به أي سلاح أو تجهيزات عسكرية، وأنّ ما سموه بمعسكر الثوّار ومراكز المدافع المضادة للطائرات، ليست سوى دكاكين متواضعة وسوق مزدحمة بسكان القرية.. “.. وهكذا مـُنيَ الجيش الفرنسي بالفشل الذريع بعد عدوانه على ساقية سيدي يوسف، وخاب مسعاه في إحداث شقاق بين التونسيّين والجزائريّين.

ماض مشترك ومصير مشترك

 امتزجت الدماء التونسية الجزائرية في ساقية سيدي يوسف وازداد التضامن والدعم التونسي والمغربي للثورة الجزائرية على كافة المجالات، وأكّدت على المصير المشترك بين تونس والجزائر والمغرب، وضربت موعدا مع التاريخ، وتجسيم النضال المغاربي في أسمى معانيه، ومثلت منعرجا هاما وحاسما في تاريخ دول المغاربية، بالمطالبة بالجلاء التام عن كامل الأراضي المغاربية.

والدول المغاربية مدعوة ومطالبة باستلهام من هذه الذكرة بتقييم مرحلة الاستقلال، انطلقت في البناء والتشييد الدولة الوطنية أو القطرية، التي لم تكن سهلة أبدا، بسبب العراقيل والصعوبات والألغام والقنابل الموقوتة التي زرعها الاستعمار الفرنسي وتركها قابلة للانفجار، ومن بينها الملاحق السرية لاتفاقيات الاستقلال ومسألة الحدود والجهل والفقر، ما أثر على مشروع وحدة المغرب العربي الكبير، وبالرغم من المصالحة التاريخية وتأسيس اتحاد المغرب العربي في فيفري 1989، بقى الاتحاد المغاربي يدور في حلقة مفرغة، بسب المشاكل الحدودية.

فإنه من المأمول أن تتم المصالحة التاريخية الثانية، بين الجزائر والمغرب، بإيجاد حل لقضية الصحراء الغربية في إطار الأقلمة، وضخ وبث دماء جديدة في مؤسسة الاتحاد، واعتماد مبدإ التصويت وتدوير منصب الأمانة العامة، ووضع خارطة طريق للمصالحة بين الإخوة والأشقاء الليبيين، لوضع حد لسفك الدماء والتدخل الخارجي والدخول في مرحلة بناء الدولة الليبية الجديدة، يعيش فيها الشعب الليبي الشقيق الأمن والسلام والاستقرار والرفاهية وعقد قمة عاجلة للمصالحة وإحياء مشروع وحدة المغرب الكبير وفتح الحدود المغربية.

مقالات ذات صلة