-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“هنا يتم إغراق الجزائريين”: تاريخ صورة وثّقت المجزرة

ماجيد صراح
  • 753
  • 0
“هنا يتم إغراق الجزائريين”: تاريخ صورة وثّقت المجزرة
Jean Texier
"هنا نغرق الجزائريين"، مكتوبة على رصيف نهر السين بباريس أين أُلقي جزائريون بعد قمع شرطة موريس بابون لمظاهرات 17 أكتوبر 1961، الصورة تم نشرها من طرف صحيفة "الإنسانية" في 1985.

صورة الغرافيتي على جسر سان ميشيل فوق نهر السين في باريس، التي كُتب عليها “هنا يتم إغراق الجزائريين”*، تُعبّر عن المجزرة التي ارتكبها بوليس الاستعمار الفرنسي بحق الجزائريين في باريس في 17 أكتوبر 1961.

منذ نشر الصورة لأول مرة في عام 1985، تم تداولها في الصفحات الأولى للجرائد، على أغلفة الكتب، ورفعت كلافتات في المسيرات كلما تم الحديث عن هذه المجزرة.

في عام 1961، وبعد سبع سنوات من اندلاع ثورة التحرير، وازدياد نشاط فيدرالية جبهة التحرير الوطني في فرنسا، أصدر محافظ شرطة باريس، موريس بابون، أمراً بفرض حظر التجول على الجزائريين من الثامنة مساءً حتى الخامسة والنصف صباحا.

وقد اعتبر الجزائريون هذا القرار عنصرياً وتعسفياً بحقهم، ورداً عليه دعت جبهة التحرير الوطني إلى مسيرة في 17 أكتوبر 1961 للتنديد بهذا القرار والمطالبة باستقلال الجزائر.

وفي الثامنة مساء من 17 أكتوبر 1961، انطلقت مسيرات حاشدة لحوالي 30000 جزائري، بينهم نساء وأطفال، خرجوا من الأحياء القصديرية وضواحي باريس متجهين نحو وسط المدينة وقلب العاصمة الفرنسية، رافعين شعارات مثل: “فليسقط حظر التجول”، “تفاوضوا مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية”، “الاستقلال للجزائر”، و”تحيا جبهة التحرير الوطني”.

وهي المسيرات السلمية التي سارعت شرطة بابون إلى قمعها بوحشية، حيث قُتل العشرات من المتظاهرين الجزائريين في الشوارع، وتم إلقاء العديد منهم في نهر السين، بينما اعتُقل نحو 12 ألفاً تعرضوا لأقسى أنواع التعذيب والإهانة.

في اليوم التالي للمجزرة، وعلى الرغم من كونها أكبر عملية قمع منذ عقود في باريس، إلا أن الإعلام الفرنسي اكتفى بترويج رواية السلطات الفرنسية آنذاك، محاولاً تشويه صورة جبهة التحرير الوطني. لكن في الأيام التالية، تناول جزء كبير من الصحافة الفرنسية حالات الاختفاء والعنف والاعتقالات، رغم أن الرقابة كانت تمنع ظهور الحقيقة والاحتجاجات، وفقاً لدراسة الباحث منيس عبد الله.

محفظة فطيمة بدار، وهي تلميذة عمرها 15 سنة، والتي كانت من بين ضحايا مجزرة 17 أكتوبر 1961 بباريس. حقوق محفوظة

وانتظرت هذه المجزرة حتى الثمانينيات لتعود إلى الواجهة، حيث نُشرت صورة الغرافيتي “هنا يتم إغراق الجزائريين” لأول مرة من قبل صحيفة “الإنسانية” يوم الجمعة 18 أكتوبر 1985، لتوضيح مقال لكلود لوكومت بعنوان “غرقى 17 أكتوبر”. ثم عادت الصحيفة في العام التالي وبنفس المناسبة لإعادة نشر الصورة في صفحتها الأولى.

وبالتالي، فإن الصورة التي نشرت بعد 24 عاماً من مجزرة 17 أكتوبر 1961، لم تنشر آنذاك مع أخبار المجزرة، بل لإحياء ذكراها، حسب ما خلص إليه المؤرخ فنسنت لومير في ورقة بحثية حول الموضوع.

التقطت هذه الصورة التي بقيت مخزنة في أرشيف صحيفة “الإنسانية”، والتي تجنّبت عن نشرها في ذلك الوقت لأنها كانت تواجه 150 محاكمة بسبب موقفها المناهض للاستعمار الفرنسي. وقد أوصل الصورة إلى “الإنسانية” الصحفيان كلود أنجيلي وجان تيكسير.

هنا يتم إغراق الجزائريين” هي عبارة اقترحها الكاتب المسرحي أرثر أداموف، عضو في لجنة لدعم السلام في الجزائر. وقد كُتب الغرافيتي ليلا بالدهان الأسود، إلى جانب عشرات الكتابات الأخرى في باريس، من قبل مجموعة من المناضلين المناهضين للاستعمار، بعد ثلاثة أسابيع من المجزرة.

وقال عن الغرافيتي الكاتب والصحفي جان ميشيل مانسيون، وهو أحد كاتبيه مع جون ماري بينوش: “عندما علمنا بما حدث في 17 أكتوبر، قررنا أنه يجب أن نفعل شيئاً، أن نردّ، أن نترك أثراً. سرنا على طول الضفاف بحثاً عن مساحة واسعة بما يكفي لكتابة هذه العبارة الطويلة، ووصلنا إلى هنا أمام المعهد وجسر سان ميشيل، فهذا المكان تحديداً هو الذي أُلقي منه الرجال في النهر”.

وهذا ما اكتشفه الصحفيان أنجيلي وتيكسير وهما يسيران بالسيارة على ضفاف نهر السين، كما أوضح جان تيكسير، ملتقط الصورة: “كنا نسير على ضفاف السين، نحن الاثنين في السيارة، ورأينا هذه العبارة: “هنا يتم إغراق الجزائريين“. كان هناك شرطيان، واحد عند كل طرف، يحرسان العبارة لأنهم كانوا يريدون إزالتها. مررنا ببطء، ثم عدنا أدراجنا. قفزت تقريباً من السيارة والتقطت صورتين فقط. لم يكن لدي الوقت لأخذ المزيد، حيث اقترب الشرطيان وهما يرفعان أذرعهما لمحاولة إيقافنا. قفزت في السيارة، وكلود ضغط على دواسة البنزين وهربنا”.

ساعات بعد ذلك، أزالت السلطات الفرنسية الغرافيتي، لكن الصورة بقيت شاهداً على تلك الجريمة التي لن ينساها التاريخ.

*”ICI ON NOIE LES ALGÉRIENS”

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!