هنا يرقد رجل الأسطورة الذي شق وديانا بعصاه
تقودك منعرجات جبال الشريعة، المحفوفة بأشجار الأرز الباسقة، إلى منطقة تدعى سيدي الكبير، تيمنا بمؤسس البليدة. وغير بعيد عن قلب المدينة بنحو 4 كليمترات فقط، تتراءى للزائر بنايات، يختلف طرازها، تتناثر حول معلم تاريخ وديني وسياحي، يتيمن به البليديون أيما تيمن. الشروق العربي، زارت ضريح سيدي الكبير، ورصدت قصة المكان وصاحبه.
الطريق إلى سيدي الكبير يشبه رحلة الاستجمام، وسط الطبيعة العذراء. والوصول إلى المكان يعد بمثابة بلوغ محطة بعيدة من الزمن. فالسلالم الموزعة في محيطه، والأبواب المقوسة على الطراز الإسلامي، وحتى القبب المبعثرة هنا وهناك، توحي بروحانية المكان وقدسيته.
مع بداية القرن السادس عشر الميلادي، كانت البليدة لا تزال عبارة عن بعض القرى والمداشر المتباعدة، التي تعود إلى سكان بربر، وبعض القبائل ذات الأصول العربية. وصادف ذلك نزوح أعداد معتبرة من المسلمين الأندلسيين، الذين أقاموا بمتيجة، حاملين معهم العلم والثقافة. ومن بين هؤلاء الوافدين، كان هناك عالم، مهندس ري، تلقى الترحيب والقبول من أشهر قبائل البليدة آنذاك، قبيلة أولاد سلطان. ويقال إنه تزوج امرأة جميلة منهم. وقد ساعده أعيانها على إقامة تجمع للأندلسيين القادمين إليها. مع مرور الوقت، أخذ هذا التجمع، تحت إمرة العلامة سيد أحمد الكبير، ينمو ويتأطر، ويزداد تحضرا وبروزا بمختلف العلوم، والمنشآت الضرورية للحياة المتطورة آنذاك. فقد أنشأ سيدي أحمد مسجدا ليتعبد فيه أهل المنطقة. وأقام لهم فرنا كبيرا، وحماما. وظهرت العديد من الأسواق، حتى إن الرجل الذي كان مهووسا بالفلاحة والبستنة وخدمة الأرض، شق قنوات المياه إليها بفضل خبرته، واستغل زخر المنطقة بالموارد المائية. وراح هذا التجمع الصغير يكبر ويمتد، حتى أصبح مدينة. فقرر سيدي أحمد الكبير إنشاء سور لحماية الأهالي، وكان به سبعة أبواب، لم يتبق منها في يومنا هذا غير التسمية، باب الخويخة، باب الزاوية، باب الدزاير، باب السبت، باب الرحبة، باب القصبة، باب القبور.
تقول الأسطورة، التي يختلف حولها الكثير من الباحثين في تاريخ البليدة، إن سيدي الكبير كان يحلم بجعل مدينة البليدة جنة غناء، بمختلف أنواع الورود والنباتات النادرة والفواكه والخضار التي لم تشهدها باقي القبائل من قبل، وقد اجتهد في مشروعه، وحقق منه الكثير بالفعل. وبما أن تخصصه كان في الري، فقد كان سيدي أحمد الكبير دائم البحث عن منابع للمياه، حتى إنه، من شدة ما تمنى أن يكون هناك منبع، دعا الله في قلبه وضرب بعصاه على الأرض، فانشق هنالك واد غزير، سمي في ما بعد على اسمه.
سنة 1540 م، توفي مؤسس البليدة، سيدي أحمد الكبير، فأقيم له ضريح أعلى الوادي، في منطقة جبلية هادئة، جميلة، كانت في ما مضى منتزها للسكان. وبدأ الناس يزورون ضريحه، في الأعياد والمناسبات، وحتى للتبرك والتضرع والدعاء، باعتبار الرجل صالحا تقيا، ولاتزال هذه العادة لدى البليدين إلى يومنا هذا، حيث يقام بالضريح ما يعرف بـ”الوعدة”، وتأتي النساء لإشعال الشموع، ووضع الحناء، طمعا في الزواج والإنجاب، إذ رغم الدعوات المتكررة للأمة بالكف عن هذه العادات التي تسيء إلى الدين، لم تتوقف، إذ يعتبر المكان روحانيا بالنظر إلى كم الأضرحة المحيطة به أيضا، التي تعود إلى رجال أتراك يقال إنهم كانوا أعيانا ومصلحين، ينشرون الدين ويحكمون بالعدل، خاصة وقد أنشئ مسجد صغير بالقرب منها، وزاوية لحفظ وترتيل القرآن. يذكر أن جزءا من المكان تعرض للتخريب والحرق في أيام العشرية السوداء. وقد فر السكان من ضواحيه، وساده الرعب والفراغ، قبل أن يعود البليديون وغيرهم إلى التنزه والتبرك فيه، خلال السنوات القليلة الأخيرة، ليظل ضريح العلامة الكبير، مؤسس البليدة، سيدي أحمد، معلما تاريخيا، ودينيا وسياحيا في المنطقة.